•  قورينا تحاور الشاعر نديم الوزه

 * بداية دعنا نتحدث عن الشعر .. هل هو حقا حلم مطلق ، أم أنه مقيد بالمكان والزمان والحراك الاجتماعي ؟

- لا يمكن تعريف الشعر أو تحديد مهامه على هذا النحو من المنطق الافتراضي حتى لو حاول النقاد أو المنظرون للشعر ذلك.. مثل هذه الافتراضات غالباً ما تأتي استنتاجات قراءة، و غير ملزمة كمنطلقات لكتابة الشعر، أو قراءته..أنا يمكن أن ألتمس المطلق في المكان و الزمان و الحراك الاجتماعي، و إن كان العكس غير صحيح بالضرورة. يقول تاريخ الشعر إنّ إشراقات الشاعر الفرنسي آرثر رامبو، و هي وثيقة العلاقة بالشعر الصوفي العربي، من أجمل ما يمكن أن يبدعه الحلم المطلق كرؤية شعرية. لكن في رؤى ما بعد الحداثة، و برأيي لم يعد الحلم مطلقاً و إنما له تجليات معرفية في وعي الحرية و التماسها.

*هل للفن ضرورات ؟ وكيف يتفق ذلك مع مبدأ الحرية ؟

- نعم، نحن نتحدّث عن الحرية و كأنها متحقّقة. و هذا غير صحيح أو ملموس في أيّ مكان من العالم أكان ذلك معرفياً أو وجودياً. الأهمية المطردة للفن و الإبداع عموماً في أخذه للضرورات إلى سؤال الحرية.

*في المقابل، أمن المفيد وضع مقاييس صارمة لفرز النصوص الحديثة رديئها عن جيدها ؟ وهل هذا متاح في الاشتغال النقدي العربي ؟

- لا يوجد شيء صارم في المعرفة و لاسيما في المعرفة الجمالية، فهي دائمة التحول و الارتكاس و بالتالي التطوّر.. وبدل الحديث عن الجودة و الرداءة في النصوص، يمكن الحديث عن حضور الشعرية و غيابها و مدى ذلك و مقداره بين نص و آخر. و بالتأكيد كلّ شيء متاح في الاشتغال النقدي العربي و لمَ لا؟ لكن في الحقيقة لم يزل النقد العربي غارقاً في البحث عن الوسائط الشعرية كالموسيقى، و الصورة، و وسائط البلاغة الأخرى حتى الحديث عن قصيدة النثر لا يتعدى ذلك، و هو بحث مهمّ لا شكّ، و أنا دائم البحث فيه، و إن كنت أتطلع إلى الالتفات إلى شعرية النص بعيداً عن وسائطه.

*أخذ المكان أهمية كبرى عند دارسي الأدب العربي الحديث .. هل المكان فعلا أساس من أسس نجاح عمل الكاتب والفنان بشكل عام .. ثم المكان بأي معنى ؟

- ذلك لأنّ النقد الغربي اهتمّ بذلك. و هذا لا ينفي أهمية الالتفات إلى المكان في دراسة الأدب أو غيره. لكن ما دفع الغرب للاهتمام بالمكان هو الرؤية الآنية للعالم، لم يعد البحث عن عالم آخر ملحّاً، ولاسيما بعد اكتشاف الفضاء الخارجي، و بعد أن صارت السماء امتداداً للأرض، التي هي بدورها صارت جزءاً من الكون المحسوس. هذه الرؤية الحسية للوجود هي ما دفعت شعراء الجاهلية إلى الاهتمام بالمكان سابقاً، و لكن مع فارق بالمعرفة و بتطوّر العلوم. أما سؤالك عن كون المكان يشكّل أساساً لنجاح عمل الكاتب؟ فلا أرى ذلك، و لا يعني أن حضور المكان في العمل الأدبي يشكّل سبباً لفشله. أما سؤالك عن معنى المكان و أهميته في الأدب فهو سؤال فضفاض و متعدّد و تختلف الإجابة عليه بين كاتب و آخر. و بهذا الصدد يمكن استذكار كتاب "جماليات المكان" لباشلار بسهولة، و يمكن الحديث بذات السهولة عن الاحتفاء بالبحر لدى حنا مينه، و بالصحراء لدى إبراهيم الكوني، و هكذا. لكن المكان معقّد أكثر من ذلك حتى لدى هذين الروائيين.

*قامت الرواية العربية على أرضية البلدان والمدن والأقاليم والأحياء والحارات .. لعل ذلك هو ما حمى هذه النصوص ومد في أعمارها .. ما رأيك في وجهة النظر هذه ؟

- لا أعتقد أنها رؤية جادة، أو ذات قيمة نقدية. إذ قلما تخلو الرواية، أية رواية، مما ذكرت، و لا أعتقد أنّ ما ذكرته كافياً لحمايتها وبقائها. ما يحمي الرواية هو بنيتها الجمالية، و ثيمها المعرفية.

*هل يصح أن يكتب الكاتب سيرته دون أن يعرج مليا على مواطن هذه السيرة وأمكنتها وبهو العلاقات الحارة فيها ؟

- يصحّ!. قد تكون الأحداث أكثر إثارة من فضائها الزمكاني، و قد يكون الحديث عن المكان وحده أكثر حميمية و إثارة من الحديث عن المرأة، يتعلّق ذلك بالكاتب و براعته.

*هل من الواقع النقدي في شيء فصل مكونات العمل الأدبي لتحليل النصوص ؟ وأين يأخذ البعد المكاني حيزه في هذا الفصل وذلك التحليل ؟

- تطوّر المعرفة البشرية في التحليل مكّن العلماء من فصل الذرّة إلى أجزاء. و ربما هذا ما دفع النقاد إلى القراءات التكوينية و التفكيكية للنصوص. و بالتأكيد هذه القراءات ليست كافية بمفردها لكنها تشكّل أدوات تكاد تكون موضوعية لفهم جماليات النص و تأويله. و بداهة أنّ المكان قد يكون أحد مكوّنات النصّ أو لا يكون.. و دعني أقول لك إنّ أهمية المكان هي سابقة على النص، ذلك أنّ المكان لم يزل بعداً ملازماً بل و ملزماً للإنسان و كينونته.

*متى يتحول الفكر إلى الملموس أو المحسوس .. وما تبعات هذا التحول ؟

- دائماً ثمة علاقة للفكر بالمحسوس و الملموس بالمعنى الألسني و البنيوي و الفلسفي أيضاً. و لكن إذا كان سؤالك يتعلّق بالعزوف عن الاهتمام بالمعرفة بمختلف أنواعها الفلسفية و الوجدانية و الجمالية، و الاهتمام بثقافة الجسد، فإنّ ما يجعل ذلك متفاقماً الآن، هو وفرة الإنتاج، و تنوعه، و حاجة الشركات الكبرى لمزيد من الربح و سرعته. و ما تراه تبعاً لذلك من سيادة ثقافة الاستهلاك و المقامرة و التوحش في نهب الشعوب الضعيفة و المتخلفة.

*بالتوجه إلى دراسة أدب المقاومة أيسقط مشروع الدراسة إذا أغفلنا صورة المكان وفعله؟ هل هناك أدب مقاومة خارج الجغرافيات ؟

- لا، لا يسقط.. المقاومة، بالمعنى السياسي، هي موقف وجودي من الاحتلال، و هي نزوع إنساني للتحرّر أكثر مما هي صراع على المكان. بمعنى أنّ وجود اليهود بيننا لم يكن مشكلة في يوم من الأيام و ما جعل قسماً منهم أعداءنا هي فكرتهم العنصرية عن المكان باعتباره مقدساً شوفينيّاً و ينبغي أن يكون خالياً من غير اليهود. أهمية المكان بالنسبة لأدب المقاومة هي في تحريره من هذه العنصرية و جعله فضاءً متاحاً للجميع. و فكرة التحرّر و الفضاء المتاح هما فكرتان عابرتان للجغرافيات، كما تعلم، و هما ما تمنحان المقاومة معنى إنسانياً.

*شعر محمود درويش وتوفيق زيّاد وغيرهما ، أهو مؤسس على لبنة المدن الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني والإرث الفلسطيني ؟ أم إن الشعر شيء خارج ذلك ؟

بالفعل إنّ شعر محمود درويش هو ما يبرهن على ما قلته كجواب على سؤالك السابق.. و لكن هذا لا يعني أنّ شعراء آخرين لم يجيدوا كتابة الشعر بالتفاتهم للمكان الفلسطيني و تاريخه و إرثه، أكان ذلك داخل مدن فلسطين و قراها أم كان ذلك في المنافي و المخيمات، أذكر بهذا الصدد نصوص أحمد دحبور و سميح القاسم على سبيل التمثيل لا الحصر. كما أنّ نصوص محمود درويش ذاتها قلما تخلو من كلّ ذلك.

*ماذا عن شعرك؟ .. أهو شعر منفلت من اللوازم والجذور؟ أم هو شعر حي وذو أثر في تربة الوطن وتربة الروح؟

- لا أحبّ الحديث عن شعري، بل لا أجيد ذلك. حتى أنني لم أرغب أن أكون شاعراً منذ البداية. لكن ماذا أفعل و قد كتبت كلّ ما كتبته.. و ما سوف أكتبه؟. الشعر هو فطرتي الكتابية، و دهشتي، و وجودي كلّه!. و غالباً ما أقول: يا للأسف!

*ماذا يعني لك المكان كشاعر ؟ وماذا يعنيه لك كإنسان ؟

- أنا أعيش في سجن اسمه دمشق، و لم أغادره إلا لماماً.. يقال إن في دمشق أشياء جميلة، و يقال إنّ في غيرها من المدن العربية، و الأجنبية أشياء جميلة، و أتمنى أن أمتلك في يوم من الأيام أموالاً كافية لاكتشاف ذلك!. و بالمناسبة لقد كتبت دمشق، و كتبتني، و كتبت قصائد كثيرة فيها، و بها، و عنها، منذ بداياتي الشعرية، و حتى الآن.. و كما قلت سابقاً المكان هو أحد لوازمي الإنسانية و الشعرية و أرى ذلك طبيعياً.

*بم يستفيد شعرك من كونك ابنا لسوريا مثلا .. أم أنك ذو أفق كوني عابر للأقاليم والهويات؟

- لا شيء، ربما يتضرّر و يخسر.. لكن هذا لا يمنع أني أحبها مثلما أحبّ "كريمة" أمي!. و إذا كانت كلتاهما كريمة و سوريا منحتاني ملامح، و هوية ما، إلا أنّ الإنسان ذو رؤية كونية بطبيعته، هكذا هم الأنبياء و الشعراء و الفنانون و حتى جميع الناس مهما اختلفت أقاليمهم و هوياتهم.. المشكلة حين تشعر أنك قويّ، و ينبغي أن تخضع العالم لمشيئتك، و رغباتك؟!.

*هل لنا بشيء من سيرتك الحميمية مع أمكنتك ، براح طفولتك وميدان اندفاعاتك الناضجة؟

- نعم، ولدت و عشت معظم سنواتي السابقة في مكان قبيح، أغبر في الصيف و موحل قي الشتاء، ينتمي لأحد أحياء دمشق العشوائية. لكن هذا أفادني من عدّة جوانب أذكر منها: أن سكانه القادمين من مختلف المحافظات السورية و الفلسطينية بلهجاتهم و أديناهم و طوائفهم انصهروا جميعاً في بوتقة الفقر و الأحلام مما منحي قوّة عظيمة للتعاطف الإنساني مع جميع الناس بغضّ النظر عن أصولهم و إيديولوجياتهم.. و الشيء الهام الآخر الذي أرغب بذكره هو أنّ أهمية المكان صارت ترتبط لديّ بكونه مكان إنساني أم لا؟.. بعد ذلك صارت أهمية المكان مرتبطة بالكتاب، و لكن خارج جدران المدرسة التي كانت سجناً مؤقتاً بالنسبة لي، و كذلك الجامعة التي كانت مصدراً للجهل و الإعاقة الفكرية، عير أنني أدين بالكثير لمكتبة الأسد الوطنية لما وفرته لي من كتب متجدّدة، و مكان مريح و نظيف بل و جميل للقراءة و أحياناً الكتابة.. و أنا الآن مستأجر مع زوجني شقّة في حيّ لا بأس به ، قريباً من منزل الروائي حنا مينه، و من الحيّ الذي كان يقطن فيه المسرحي الراحل سعد الله ونوس، لكن في الواقع لا أعرف إلى متى سيدوم ذلك!.

نشر الحوار يوم 7/4/2010

 

• صدر عن دار نقوش عربية في تونس (آب2010)كتاب شعري جديد للشاعر السوري نديم الوزه،بعنوان (المدينة غريبة كأمي)



• قورينا تحاور الشاعر نديم الوزه



• صدور كتاب الوعي و بناؤه في مسرح سعد الله ونوس لمؤلفه نديم الوزه



• هادي دانيال و فلسطين المبدعة



• أسئلة الفكر التونسي..هادي دانيال



• المكان وغوايته في الرياح بين جناحي لهادي دانيال



• قراءة الناقد التونسي نور الدين الخبثاني في الأعمال الشعرية لهادي دانيال