• المكان وغوايته في الرياح بين جناحي لهادي دانيال
|
عبد الغفور الخطيب
تختلف صورة المكان وفلسفته بين إنسان وآخر، لكنها عند الشعراء تأخذ أبعاداً أكبر بكثير مما نعتقد، فهي لا تحدها حدود كونها مفتوحة على اللانهاية، وهذا يرجع إلى قدرة الشاعر على استغلال المكان لغوياً وجمالياً وتاريخياً وثقافياً، استغلاله وفق كل الرؤى والمفاهيم التي يؤسسها معجمه الإبداعي. وهادي دانيال في ديوانه الأخير "الرياح بين جناحي" يحتفي بالمكان بوصفه جغرافيا حميمية، وذاكرة مفتوحة على كل الحمولات تاريخية وسياسية وثقافية، وعلى كل الغوايات، وعلى رأسها غواية الكتابة بخبرة وثقافة حيناً، وبعفوية حيناً آخر. وبين قصيرة تكاد تشبه الاستهلال، وطويلة تحمل بذور ملحميتها، وبين تفعيلة تعددت أوزانها وبين نثر، تماهت قصائد هادي دانيال في "رياحه" الديوان الأخير الذي حمل بين دفتيه ثمانية نصوص أشبه ما تكون احتفالات بمدن وأمكنة كثيرة اختزن صورها في روحه، ووثّق تفاصيلها وجزئياتها بكل ما تحمله من غنى ثقافي واجتماعي وإنساني، وذلك من خلال علاقته بها، سواء كانت هذه العلاقة روحية، رمزية، متخيلة، أم كانت مادية جسدية محسوسة. حضور طاغ للأمكنة في قصائد هادي دانيال "دمشق، غزة، أريحا، تونس، القيروان، الأوراس، جدة" على أن هذا الحضور لهذه الأمكنة لا يأتي بجديد على صعيد الدهشة، فهو حضور عادي دون دلالات جديدة في أغلبه، كالياسمين وارتباطه بدمشق. ولكن قد لا تحتاج بعض الأشياء التي يكتب عنها الشاعر إلى غنى البلاغة أو روعة التصوير ودقة الوصف، أو حتى إلى التبصر وإعمال الفكر، إذ يكون فيها ما يغري الشاعر على الكتابة والإبداع دون النظر في الأسلوب، سواء كانت الكتابة الشعرية تقريرية أم رمزية، بمباشرة أم بغير مباشرة، فلا يهم عند الشاعر وقتها كيف يخرج الشعر وبأي طريقة. ولعل دانيال اشتغل في نصوصه على هذا ولاسيما ما يخص التقريرية والرمز، فنص "دمها يشرق الآن في أفق من جديد" يحمل من الرمزية القدر نفسه الذي يحمله من التقريرية: وسماء غزة فرن غاز هائل أخذ المدينة كلها وتصاعدت في الكون رائحة الشواء وسال من كل النيوب لعابها وتسابق المتحمسون إلى مزاد شرائها أو بيعها وهذا النص موجع طالما أنه غارق في داخل الألم الفلسطيني، بعيداً في عمق النكبة وغور آلامها، وفي غزة ماينكأ الجراح ليكون شلال الدم غزيراً، أليست لغزة ذنوب ثلاثة، حسب التعبير التوراتي، إذاً فلتكن النار التي تحرق غزة وأهلها: "فأرسل ناراً على سور غزة، فتأكل حصونها". ودانيال يتكئ في إطلالة رمزية على أساطير التلمود وترّهاته، وكذلك على الخرافات التوراتية التي تنضح بالحقد والضغينة لكل ما هو جميل وجليل في هذا العالم: لغزة بحرٌ ملقى في شباكٍ من لهبٍ توراتي ويقول أيضاً وهو يستعرض القمر التلمودي الكالح، ويستحضره من أعماق الزمن الغارب والهارب إلا من عقول تحلم أحلاماً شيطانية: قمر كالح القسمات قادم من أساطير تلمودهم ينضح الآن فوسفوره الأبيض فوق لحم المدينة غزة وكما في كل زمن هناك من يحمل الآلام والآمال، كذلك دانيال في رياحه، يوثّق تاريخ الألم والحزن والفجيعة، ويوقّع على دفاتر الروح تراجيدياته: أنا الآن أمضي إلى آخر المذبحة أخزّن في الروح والذاكرة كل هذا السواد وما في الركام وتحت الركام وفي المشرحة ترتيلة ألم وحزن وفجيعة في مهبّ أمة لم تعرف بعد سَمْتَ مجدها بقدر ما عرفت دروب آلامها، وبعد أن أضاعت بوصلتها السحرية! ولأن الشعر أولاً وأخيراً طيران وتحليق في أجواء تعلوها فضاءات ، ولأنه سفر في ملكوت الخيال ورحابه، كانت رياح دانيال موجعة هذه المرة بحجم ألمه، وربما مفرحة في تفاصيل أخرى بحجم فرحه أيضاً. وغزة المدينة والحياة والبشر والشجر والحجارة… تصبح في نصوص دانيال استحضاراً للمدينة المأساة وربما طروادته، أليس لكل شاعر مأساته التي يرثيها وتبكي قصائده أمام أطلالها.. هكذا تصبح غزة بالنسبة لدانيال، مأساة وفاجعة وتراجيديا لا تنتهي فصولها، في حزنه الكبير، أو هكذا قرر في لحظات الانفلات من الزمن أن تكون غزة حزنه هو، غزة الواقع والحلم والمتخيل، غزة الحياة والموت والنور والظلام، غزة المقطعة الأوصال بالدبابات الحاقدة والمحاصرة بالحقد والنكران والتخلي. ودانيال هو الحامل لآلامها وآمالها، ففيها وجد ضالته المنشودة، كأنه كان يبحث عنها فراح يوقّع ويختم ويخزّن: أنا الآن أمضي أخزّن في الروح والذاكرة ومن يقرأ مقطعات «الورد والإسمنت» نص دانيال الأخير في ديوانه الرياح بين جناحي يدرك علاقة الشاعر بالأمكنة كيف تكون، وكيف تتوالد من خلال حضور معرفي وثقافي تراكمي للشاعر، ويدرك بالتأكيد أن هذا النص يجب أن يكون آخر النصوص في هذا الديوان، فهو خاتمة المطافات كلها كما دمشق خاتمة المطافات. فالاستهلال في هذه القصيدة يعطي دلالات تاريخية عميقة وبعيدة في مغزاها ومرماها: الريح مقبلة وصحراء من الصحراء آتية وسوس ينخر الأشجار والأسوار عارية وإن هلاك هولاكو وميض الروح في المرآة أليس هذا الاستهلال الإجرائي، إذا جاز التعبير، عميقاً في دلالاته وإيماءاته ورموزه؟ كأن دانيال في مشهدية تاريخية مرمزة يصف لنا ما جرى منذ سنوات قليلة. المسرح هو المسرح ذاته، المكان والديكورات، والسيناريو هو السيناريو عينه، هم الشخوص أنفسهم وإن تغيرت الأسماء , والأشجار عينها ، والأسوار بحقيقتها ويقينها، ولابد من هلاك هولاكو، ولابد من عين جالوت وحطين وتشرين… إنها اللمعات الشعرية والإشراقات الدلالية في نص دانيال مقطعات الورد والإسمنت، وهو شاهد عيان هذه المرة يذكرنا بمن كان ينادي بالعرب من المحيط إلى الخليج، دون ضياع مفردتي الهادر والثائر، ولكن هذه المرة يرى دانيال المدائن المرتدة ربما عن الحياة وعن أي فعل آخر طالما أنها حبيسة أكفانها، وهذه لحظة من لحظات العدمية: إني أرى المدائن المرتدة ترفل في أكفانها مربدة أرواحها تنوح في راياتها مسودة من دمنا المداس في الأوراس حتى جلد جدةٍ في جده لا شك أن هناك الكثير مما يمكن أن يقال في نصوص دانيال الأخيرة «الرياح بين جناحي» وتحتاج إلى غواية أكبر من هذه القراءة، غواية البحث في البنى التي تؤسس النص عند هادي دانيال.
الرياح بين جناحي دار نقوش عربية تونس 2010
|
|
|