• قصائد نثر لراسل إدسن: لا يوجد أبدًا ما يكفي من القيء

ولد راسل إدسُن  عام 1935 في ولاية كونكتيكت، ولا يزال يعيش فيها إلى الآن. وإدسون الذي يطلق على نفسه اسم مستر قصيدة نثر الصغير أو Mr. Little Prose Poem هو بلا جدال واحد من أهم كتّاب قصيدة النثر في أميركا. بدأ كتابتها وحدها ـ دون الكتابة في أي شكل شعري آخر ـ قبل أن تسود كموضة في أميركا.
يرى ميشيل ديلفيل في كتابه قصيدة النثرالأميركية: القالب الشعرى وحدود النوع The American Prose Poem: Poetic Form and the Boundaries of Genre إن واحدة من وصفات إدسن النمطية في كتابة قصيدته النثرية تعتمد على الزج بإنسان معاصر إلى واقع بديل يفقد فيه السيطرة على نفسه لدرجة أن تمتصه ـ مجازيا وفعليا ـ في بعض الأحيان البيئة المألوفة له في حياته اليومية. ويضيف إن إدسن في مزجه الدائم بين اليومى العادي والغريب المحلِّق يستمتع بأغرب وأبعد أنواع الاستعارات.
أصدر راسل إدسن أكثر من عشرة كتب شعرية ورواية واحدة وكتابا نقديا عنوانه «صورة الكاتب بوصفه رجلا سمينا».
قصيدة النثر حيوانًا جميلا
كان يكتب قصيدة نثر، ونجح في الجمع بين زرافة وفيل. أقبل العلماء من جميع أرجاء العالم ليروا النتاج: بدا الجسم جسمَ فيل، ولكنْ له عنق زرافة ورأس فيل صغيرة، وخرطوم قصير كان يهتز اهتزازَ خيط مبلول.
لقد خلقتَ حيوانًا جديدًا جميلاً، قال أحد العلماء.
هل يروقك فعلا؟
يروقنى؟ صاح العالم، إننى أعشقه، وأود أن أمارس معه الجنس حتى أخلق حيوانًا جميلا آخر.
عن المسافة والذكرى
يقطع العلم أن كل من يدخل الأفق يصغر حجما. ويصغر، يصغر، حتى أنه لا يُرى ـ في نهاية الأمر ـ إلا بالتلسكوب، أو لمزيد من الحميمية بالميكروسكوب...
ولكن هنالك نقطة التلاشي، ولا بد فيها لكل من يدخل الأفق أن يختفي تماما بلا أمل في الرجوع، غير تارك شيئا سوى ذكرى وجود قديم.
ولكن هنالك عندئذ الخيال، فلا يعرف المرء أبدا على وجه اليقين أكان شخصا ذلك الذي اختفى في آخر المدى، أم مجرد حبر على ورق...
جالب الحطب
نطَّ رجل إلى حَلَّة الشُّربة وبملعقة خشبية راح يلوح في وجه السماء.
عندما انتهى صعد إلى غرفته ومات.
عندما رجعت زوجته إلى البيت قالت، توقف الآن عن هذا الموت، فلا داعي له.
نهض من السرير. قالت، إذن مت، طيب، وبعد؟ أنا اليوم لا صبر لي عليك، فاذهب وأحضر حطبا للفرن.
تهاوى على الأرض. أف، أنا زهقت منك، على الأقل اذهب فأحضر بعض الحطب. ودفعت الجثة ركلا إلى السلم، فوق الحافة، فإذا بها ساقطة في الطابق الأرضي. صاحت، الآن، أحضر الحطب.
سحبت الجثة نفسها عبر الباب. تمتمت، يا للؤم، يموت ليفلت من إحضار الحطب.
راحت جيفة الشيخ تحاول قطع الخشب، فكانت البلطة تنزلق من يديها. قطعت الجيفة إحدى ساقيها من تحت الركبة.
عادت الجيفة تقفز على ساق واحدة إلى المطبخ حاملة ساقها الأخرى. صاحت، قطعت ساق زوجي. وفي غضبتها تناولت البلطة وانهالت على الجثة. تقطع ساقك كي تهرب من الشغل؟ تموت وأنا محتاجة أن تجلب لي الحطب؟
متكئا على غيمة، راح الشيخ يشاهد زوجته وهي تقطَّع جثته. أجهزي لي عليها، يا صغيرتي، من أجل خاطري.
عندما انتهت العجوز، لملمت القطع ووضعهتا في حلة الشربة، مت الآن واشبع من الموت، وقل لي الآن إنك لا تقدر أن تجلب لي الحطب...
حلقة أخرى من مغامرات مارثا جورج
يحكى أن امرأة اسمها مارثا جورج اكتشفت يومًا أن صدرها مذياعٌ. فتحته بضغطة على حلمتها اليسرى، فانبعث من بين نهديها صوت يقول:
والآن مع مغامرات مارثا جورج، وكنا في حلقةٍ سابقةٍ ـ كما تذكرون ـ قد رأينا مارثا جورج وهي تدعك نهديها ـ وها هي الآن تدعك نهديها، وتدير حلمتها اليسرى وهي تخشى أن تطلع في يدها، ولكن صوتًا ينبعث من بين نهديها:
والآن مع حلقةٍ جديدةٍ من مغامرات مارثا جورج
صانع اللعب
صانع اللعب صنع زوجةً لعبةً وطفلاً لعبة. صنع بيتًا لعبةً وبعض السنين اللعبة.
صنع شيخوخةً لعبةً، واحتضارًا لعبة.
صانع اللعب صنع جنةً لعبة وإلهًا لعبة.
لكن أفضل شىءٍ أحبه هو صناعة الهراء اللعبة.
قيء
يصاب البيت بالغثيان في غرفة الطعام ويبدأ يتقيأ.
يصيح الأب، غرفة الطعام تتقيأ.
تقول زوجته، أمر طبيعي. طريقتك في الأكل تصيب أي أحد بالغثيان.
يصيح، ماذا سنفعل، ماذا سنفعل
استدع طبيب القيء طبعا.
صح، ويقول متنهدا، لكن كلَّ ما يفعله هو التقيؤ.
لو كنتَ طبيبا للقيء، كنتَ ستتقيأ أنت الآخر.
يقول الأب متنهدا، لكن ألا يوجد ما يكفي من القيء.
لا يوجد أبدًا ما يكفي من القيء.
يقول الأب متنهدا، لكن هل أنا أصيب الجميع هكذا بالغثيان؟
لا لا كلنا نولد مصابين بالغثيان.
نولد هكذا؟ يصيح الأب
تقول، طبعا، ألم تلاحظ كيف أننا جميعا نموت في آخر الأمر؟
هل غرفة الطعام تحتضر...؟
تصيح، بل طريقتك في الأكل، إنها كافية لتصيب أي أحد بالغثيان.
إذن أنا أوصِّل الجميع لهذه الدرجة من الغثيان...
تقول، عفوا، أظنني بدأت أصاب بالغثيان
صاح الأب، أين هو طبيب القيء؟ على الأقل حين يأتي القيء منه هو، يعرف الواحد أنه آتٍ من سلطة رفيعة.
لحظة الهواء الطلق
يسأل كبيرُ الخدم، هل ستتناول سيدتي قهوتها الصباحية في الهواء الطلق؟
لو تفضلتَ وأنهضتني من سريري إلى الشرفة، فسأكون شغوفة بتناول القهــوة في الهــواء الطلق.
سيدتي، هل لي أن أسأل السيد إن كان يود أن يشاركك تناول القهوة في الهواء الطلق؟
لكن إزارَ نومي شفافٌ للغاية وقد يرى في الهواء الطلق دلتا ما بين ساقيّ. ولأنني امرأة ثرية فإن لي حوضَ إلهة. بينما أنت، لأنك مجرد خادم، فإن لك حوضَ دبدوبِ طفل. نعم، دعِ السيد يشاركني لحظة الهواء الطلق. بل ومن الممكن إخباره بشأن دلتاي الحميمية، فهو ليس سرًا من أسرار الدولة على أية حال. إضافة إلى أنه كرجل ثريّ لديه عضو ثور، بينما لديك أنت ـ لأنك مجرد خادم وضيع الشأن ـ حوض دمية.
حسنا، سيدتي...
المادة المضادة
على الجانب الآخر من المرآة ثمة عالمٌ معكوس، حيث المجانين يصبحون عقلاء، والعظام تطلع من الأرض وترتد إلى لزوجة الحب الأولى.
وفي المساء تشرق الشمس.
والعشاق يبكون لأنهم صغروا يوما، ولأن الطفولة سرعان ما ستسلبهم لذتهم.
في عالم كذلك، ما أكثر الأحزان التي هي ـ طبعا ـ أفراح. 

ترجمة واعداد/ أحمد شافعي

• صدر عن دار نقوش عربية في تونس (آب2010)كتاب شعري جديد للشاعر السوري نديم الوزه،بعنوان (المدينة غريبة كأمي)



• قورينا تحاور الشاعر نديم الوزه



• صدور كتاب الوعي و بناؤه في مسرح سعد الله ونوس لمؤلفه نديم الوزه



• هادي دانيال و فلسطين المبدعة



• أسئلة الفكر التونسي..هادي دانيال



• المكان وغوايته في الرياح بين جناحي لهادي دانيال



• قراءة الناقد التونسي نور الدين الخبثاني في الأعمال الشعرية لهادي دانيال