لِمَا تكثر الكلام هذه الأيام عن الطبيب ؟ إن كان محضوضا في مرافقته الرؤساء والحكام والملوك و الأمراء ؛ إن كان حاضرا في كل مكان إن كان الله قد جعل من مرض الآخرين ثروته، وجعله مستودع أسرار البشر. لا يهمك إن خان الأمانة التي رفضت الجبال حملها ؛ هو يحضر حتى مراسيم الوداع للمحكوم عليهم بالإعدام، حتى الإعدام ؟ أضيفك يلتقي بأشهر القتلة وأشهر الفنانين، يمكنه كذلك أن يلتقي بأشهر المعتوهين و الدراويش، بالسفاحين برجال الكنائس بالأئمة، يلتقي حتى برجال الظل. الطبيب يؤخذ أحيانا إلى حيث لا يعلم يلتقي ببائعي الأسرار والمعلومات، يعاينهم يعطيهم و صفات. لا يعلم الطبيب أنه ذو أهمية ؟ لا يعلم لأنه تحت الخدمة .
تقول هذا لأنك سمعت الكثير عن جارك الطبيب بأنه يخالط رجال العصابات و أصحاب النفوذ والمقاولين في السياسة، سمعت أم أنها مزحة لأنك تغار منه لأنه ينادونه بالحكيم ويملك عدة سكنات و فيلة في العاصمة. تقول عنه تاجر ولا يحترم قانون السوق، و يتعامل مع وكلائه كما مع ضحاياه. وأنك سمعت أخبارا سيئة جدا بأنه بائع قطاع غيار بشري.
اللعنة هل يمكن للطبيب أن يحيد عن وظيفته؟ هو بشر لا تضحك على نفسك .
هذيان الحمى ، أشباح كثيرة تحوم حولك بمآزر بيضاء ، وقع الأقدام ، سلاسل الرصاص والرشاشات مرمية على الأرض أمامها جثث مذبوحة و أخرى لا رأس لها ، الماء فوق البلاط تراه يتموج كموج البحر ألا يمكن أن ترى المشاهد على خشبة واحدة ، تقنع نفسك أنك ستتغلب على الحمى ، تعطي نفسك قليلا من الجلد ، تود إطفاء التلفاز ، تزيد في الصوت أحسن حتى تتأكد أنك بالفعل لا زلت تملك قليلا من الشعور و أن الغيبوبة التي تكلم عنها برغسون مجرد مزحة اجتماعية مثلها مثل الديمومة.
لما حضر الطبيب الآن؟ أين الطبيب ، أنت تسمع دقات خفيفة على الباب ، المزلاج فاسد ، أنت لم تقم لتفتح فكيف تأكدت أنه لا يعمل ؟ تمسك كوب الماء تشربه يزداد عطشك، مر على الأخبار ساعات، ما الذي تراه على التلفاز؟ التلفاز مغلق ولا ترى إلا مزيج ألوان مخططة وشعار القناة، إلى أين تنظر، ألا تعرف ؟ اللعنة على الضرس وعلى الحمى . لا تلعن الحمى فهي مرسلة من عند الله.
أنت تهذي ، تلقي خطبتك على الناس، هرب منك عنوان الخطبة ، تذكرت الأخلاق و الحب و عن الدولة الواحدة و الجسم السليم في العقل السياسي السليم و عن الضرس المسوّس داخل المجتمع و الدولة المتحضرة ، عن كلاب الصيد التي تنبح كل يوم في الجوار و عوائها الذي يضايق حارس الورشة المقابلة لعمارتك ، عن البلوريتاريا و الحزب الشيوعي وحوارك على المسينجر مع صديقك الشيوعي اللاجئ في بلجيكا، عن الفأر القاضم لأصبعك يوم رحت تبحث في حذائك عما يوخزك فأخرجته ، عن ثأر الفئران و العبادة و الصلاة و عن الحج . الآن تذكرت لمّا وصلت لكلمة الحج وربطت إدراكك العقلي بالباطني لون الأبيض لون الكفن هو نفسه لون السلام هو نفسه لون الطبيب؟ الآن فقط يمكننك جمع شتات هذياناتك وتقرر في أي شيء كنت تتكلم ، كنت تتكلم عن الطبيب كنت تخبرني أشياءا كثيرة كنت تهذي حقا ، لكن لا شك أنت رجل سياسي لعين كنت تختفي وراء ضرسك اللعين ، تجرأ أنت على الخوض في اللا شعور في الفوضى فالمذهب العبثي لألبير كامي لا يخدمك و لست مؤمنا بالدادائية . نزعت لحد الآن أضراسا كثيرة و موعود بضرس آخر رغما عنك ، سبب فساد أسنانك و اللثة راجع لما تتفوه به من كلمات عن حقوق الإنسان والحق و العدل ، تقلّع أضراسك لكثرة الكلام عن الفساد السياسي ، اللعنة على هذا الفم الذي لا يبرأ.
لحد الساعة أنت غير محظوظ ، كلما ذهبت إلى طبيب الأسنان إلا ووجدته يكلمك عن سراويل الجينز الأمريكية و قمصان إيطالية و أحذية فرنسا وعطورها، كلمك كثيرا عن ماركات لاك وسط وبيار كاردان و لوفيس ومورقان وماركة ناف ناف و عن البذلة العسكرية للمارينز . طلب منك أن تقتني له بذلة عسكرية مظلية ، أخبرك قبل فحصك عن هوايته في الصيد وعن أشياء أخرى .
الآن تنتبه للحافلات و الشاحنات تحت النافذة، يهتز زجاجها يحدث ضجيجا حادا من جراء قوة محركاتها، الشاحنات و الحافلات لا تتحرك إلا بعد سخونة محركاتها. اللعنة شقة أبيك تعاني الضوضاء، يوما ما ستنهار البناية. أنت الآن تكلمني عن الحافلات و الشاحنات، يبدو أنك وعيت كم الوقت الآن ؟ هذه ساعة اقتراب ذهاب الأطفال للمدرسة و العاملين للمعامل، كلمتني المرة السابقة عن تسريح العمال من المصانع وعن البطالة في عصر الحداثة التي سرق فيها اللصوص عرق الكادحين.
أسمع أنت تغط في نوم عميق و أنت لا تدري بنفسك، مستيقظ، لست مستيقظا أبدا، والدليل عليك أنك مصاب بتعفن ضرس خطير ودرجة حرارة جسدك تعدت الأربعين، أنت لا تسمعني. لمّا لا تتكلم عن الطبيب ؟ لو أني مصاب حقيقة بالمرض لما قعدت لا أبرح مكاني ناسيا أمر طبيب الأسنان، بت تشك في مرضك أو أنت خائف، لا تقل انك بصدد تعلم المقاومة ؟ ارفع يدك ارفع رجلك أفتح عينيك إن كنت فعلا تتعلم المقاومة ضرس واحد فعل بك كل هذا ؟