عفيف شليوط
العشب الأخضر بمحاذاتي تماماً ، وخلفه تمتد حيفا كالبساط ، لكن الضباب إستطاع أن يحجب ملامح هذه المدينة ، ليضاعف بالتالي من نشوتي بهذه الوحدة اللذيذة . الريح تداعب الشجرة التي أمامي وتداعب النباتات الخضراء المكسوة بالأزهار الصفراء ، وأنا خلف جداري الزجاجي أراقب كل هذه النشاطات دون أن أتدخل .
بما أنني هنا ، وسط الهدوء ، بعيداً عن ضجيج المدينة ، لما لا أكتب نظريتي في كيفية تسيير الأمور والأحداث . فأنا صافي الذهن ، هادىء ، أستطيع التفكير بموضوعية متناهية ، والى جانبي رفوف هائلة من الكتب والموسوعات التي سأستعين بها لوضع نظريتي في الحياة والمجتمع .
الريح التي في الخارج تداعب أغصان الأشجار والنباتات ، إلا أنها لن تقدر على المس بأوراقي وجعلها تتطاير في مهب الريح ، لأن الجدار الزجاجي يحميني . أنظر من هنا ، فأرى ما يجري في الخارج دون أن أتأثر بما يحدث هناك ، أو أؤثر على مجرى الأحداث .
بصفاء ذهني لا مثيل له ، وبهدوء أعصاب بارد الكثلج ، أخرجت كتاب جمهورية أفلاطون ، لعله يكون مرشدي في كتابة نظريتي في الحياة والمجتمع . يجب أن يحكم الجمهورية الفلاسفة ، لأنهم صفوة أبناء مجتمعهم ، ولأن لديهم القدرة على التفكير والتحليل ، وبالتالي من حقهم أن يحكموا البلاد . يا للصدف العجيبة ، ويا لعظمة هذا الفيلسوف .
كأنه يخاطب أبناء عصرنا : أن دعوا المتعلمين والمثقفين والأكاديميين يحكمون البلاد ، وأن يكونوا قيادة مجتمعهم . فهم القادرون على التفكير والتحليل والتمحيص ، أما التنفيذ فيجب إناطته بالطبقة العاملة والشباب المتحمس غير المتعلم . فإذا وزعنا المهام بهذا الشكل نستطيع إيجاد مجتمع مثالي يعمل بشكل عملي وناجح تماماً مثل خلية النحل . فهنالك الملكة والخدم ، فسبحان الله الذي وهب هذه الحشرات القدرة على إقامة مثل هذا النظام المعقد والمفيد ، لتكون لنا المثال الصالح الذي نسترشد بهديه ، فخذوا الحكمة من النحل .
دوّنت في مفكرتي بعض الملاحظات الهامة التي ستكون بمثابة الأسس الأولى لنظريتي في الحياة . ثم قررت التوقف عن القراءة والكتابة ، فغادرت قاعة المكتبة متوجهاً الى الكافتيريا طالباً الراحة هناك . أمسكت بكوب من "النيسكافيه" ، ودخلت الى الكافتيريا باحثاً عن مكان لأجلس فيه ، وفوجئت بأن عدد الطلاب قليل جداً . ولم أر طالباً عربياً واحداً في تلك اللحظة ، ولم أسمع صراخهم ونقاشاتهم السفسطائية وجدلهم العقيم . رغم شعوري بالراحة من الضوضاء إلا أني بدأت أقلق ، وبعد تحليل وتفكير عميقين تأكد لي أن أمراً خطيراً يحدث في هذه اللحظات في الجامعة ، وفي أثناء إقترابي من المدخل كنت أسمع صراخاً وهتافات . لقد فعلها الطلاب العرب ، إنهم كعادتهم يهوون المظاهرات . يا للغباء فبعد تنظيم هذه المظاهرة ستزداد كراهية الطلاب اليهود لنا وسيغضب رجال الأمن في الجامعة وسيدونون في مفكراتهم أسماء الطلاب العرب المشتركين في المظاهرة ، والبقية معروفة .. والآن ، أين سأختبىء ، وإلى أين أذهب ؟
وبسرعة البرق كنت أقف في الطابق العلوي خلف الجدار الزجاجي لأشاهد الأحداث دون أن أشارك . فإذا إشتركت في المظاهرة سيطردوني من العمل ، وسأخسر الوظيفة لأسباب تافهة . وهذا بالتالي سيعيق سير كتابة نظريتي في الحياة والتي ستكون بطاقة دخولي لعالم السياسة ، وإذا حالفني الحظ فسأصبح قائداً جماهيرياً ، وعندها سأطلق الوظيفة والروتين والراتب المحدود . وستنهال علي الأموال من الخارج لدعم نضالنا ، وسأقتطع بالتالي جزءاً من هذه الأموال حتى أستطيع الصمود أمام إغراءات الوظيفة في سلك التعليم ، فيجب أن أتحرر إقتصادياً لكي أكون حراً .
المظاهرة تحتد ، بعض الطلاب اليهود العنصريين يحاولون الاعتداء على المتظاهرين ، حاولت الاختباء حتى لا يراني زملائي المتظاهرين ، فرغم قناعتي التامة بعدم جدوى التظاهر ، إلا أنه يجب مراعاة شعورهم ، فربما كانوا الجسر الذي من خلاله سأعبر الى طريق المجد والشهرة . لكن محاولاتي بالاختباء باءت بالفشل ، فقد شاهدتني صفاء وأنا أحاول الإختباء خلف طال آخر ، نظرت إليّ بإحتقار ، ثم تابعت صراخها في وجه أحد الفاشيين . هربت عائداً إلى قاعة المكتبة لعلي أتخلص من نظرات صفاء التي تتهمني بالجبن . أمسكت بكتاب جمهورية أفلاطون وأخذت أقلب صفحاته لعلي أتحرر من التفكير بالمظاهرة . لكن نظرات صفاء كانت تطاردني في كل صفحة من صفحات الكتاب .
الأيام تمر، والأحداث تتسارع ، إلا أن نظريتي لم تكتمل ، فمنذ تلك اللحظة التي رمقتني فيها صفاء بنظرة حادة ، وأنا لم أتمكن من إضافة كلمة واحدة على نظريتي في الحياة . أحاول التفكير والقراءة عبثاً ، إلا أن نظرات صفاء تطاردني أينما ذهبت وأينما حللت .. لكن لا بأس ، فالعظماء عادة ما يتعرضون لمثل هذه الحالات ، ولا مفر من إجتياز هذه المرحلة .وكما قالت جدتي رحمها الله :"كل عقدة وإلها ألف حلال " . وعندئذ سيعجز قلمي عن تدوين أفكاري ، لأن سرعة تدفقها سيفوق سرعة حركة القلم الذي في يدي . وعندها ستعجز صفاء ونظراتها عن منع سير عجلة التاريخ وخروج نظريتي إلى النور .
المواجهة
"المواجهة"! صرخت كما صرخ أرخميدس . نعم .. المواجهة هو الحل لكل مشاكلي . أما الذين ينظرون إليّ نظرات إتهام ، فسأطلعهم على كيفية تخطيطي لمستقبل زاهر لي ولهم وللحركات الوطنية الثورية في البلاد . سأوضح لهم مدى ضياعهم وراء البحث عن الحقيقة ، وعندها سأصطاد عصفورين بحجر واحد ، فمن ناحية سأتخلص من نظراتهم وإتهاماتهم . ومن ناحية أخرى أعرض أفكاري عليهم وأكسب ثقتهم ، وبالتالي أصبح قائداً طلابياً فجماهيرياً ، وعندها سأمسك بزمام الأمور وأسير الأحداث كما أشاء .
وفي رحاب الجامعة صادفتها تسير برفقة مجموعة من الزملاء والزميلات فدعوتها إلى إرتشاف كوب من "النيسكافيه" فرفضت . قلت لها :"ولكنني بحاجة ماسة للحديث معك " .
- قل ماذا تريد؟
- في الكافتيريا سأطلعك على كل شيء .
- هنا (أصرّت)
- ولكن .. ولكن الأمر خطير جداً .
- (بعد تردد) حسناً .. على الرغم من خسارتي لمحاضرة هامة .
-
إستأذنت وسارت بمحاذاتي .
- ها .. قل ما عندك!
- أردت أن أشرح لك وجهة نظري بالأحداث التي تعم المنطقة والمظاهرات التي تقومون بها و..
فقاطعتني صارخة :"وهل لك وجهة نظر؟!".
فأجبت : طبعاً طبعاً .. فأنا أرى في المظاهرات مضيعة للوقت وهدراً لطاقاتنا .
فقاطعتني : وهل سأخسر محاضرة هامة من أجل سماع كلامك السخيف هذا عن إذنك .
وعادت الى زملائها ثم إتجهت معهم إلى قاعة المحاضرات . سمعت ضحكاتهم إثناء سيرهم فأيقنت أنهم يهزؤون بي فعزمت على تلقينهم درساً قاسياً ، عندما تحين الفرصة .
تكتيك
الجامعة ليست نهاية العالم . وإذا فشلت في كسب ثقة زملائي والطلاب ، ربما نجحت في مجال آخر ، فلأجرب والتجربة خير برهان . وهذه المرة سأختار قريتي ، فأنا مثقف ومتعلم ، وأهل القرية سيحترمون شخصيتي ، وسيعجبون بكلامي دون أن يفهموا معناه .
بدأت أستعد لخوض المعركة ، قمت في بداية الأمر بالإتصال بالأقارب والأصدقاء . أصبحت أنتقد رئيس المجلس المحلي في كل جلسة أو زيارة ، وبمناسبة وبدون مناسبة .
أصبحت أترصد حركاته وسكناته ، في الليل والنهار ، لأنقلها الى أهالي القرية مع إدخال بعض التعديلات التي تسيء الى سمعته وتعود عليّ بالفائدة .
ويبدو أن الحظ حالفني ، فأهالي القرية بدأوا يتقبلون كلامي برحابة صدر وارتياح ثم بحماس مشوب بالتحريض على قلب الأوضاع رأساً على عقب .
أما أجمل يوم في حياتي ، فكان في ذلك اليوم الذي قدت فيه مظاهرة ضد إدارة المجلس المحلي ورئيسها ، لإهمالهم وعدم قيامهم بواجبهم تجاه سكان القرية والمجتمع ، فحملوني على الأكتاف وساروا بي في أزقة القرية وشوارعها .
رئيس المجلس بدأ يشعر بالخطر الذي يحدق بمركزه ، فأخذ يهدد ويتوعد ، ولكن محسوبكم "ولا عند قريش خبر" ، بل كنت أترصد لرئيس المجلس حتى يهوي ، لأقفز الى الكرسي ولأحقق بالتالي حلمي الذي طالما عملت وسهرت الليالي في سبيل تحقيقه .
توافد أهالي القرية على بيتي مؤازرين داعمين لصمودي ووقفتي الشجاعة ، ولعدم رضوخي لتهديدات رئيس المجلس . ورغم أني ضقت بهم ذرعاً ، فأصبحوا يقلقون راحتي ، ويتدخلون في أموري الشخصية ، إلا أنهم الجسر الذي سأعبر من خلاله لأصل الى رئاسة المجلس ، وما عليّ إلا الصبر حتى أنال مرادي .
المواجهة الثانية
المواجهة الثانية في حياتي لم تكن بمبادرتي الشخصية كالاولى ، إنما هذه المرة بمبادرة رئيس المجلس ، حيث دعاني الى منزله للتشاور ولتسوية الأمور فيما بيننا . ولكي يطمئنني دعا مجموعة من الوجهاء الى حضور هذا اللقاء . في الحقيقة فكرت ملياً بالأمر ، هل أذهب أم أرفض ؟ إستشرت الأصدقاء والمعارف ، لكن أحداً منهم أسعفني بقرار واضح .
لم يغمض لي جفن في تلك الليلة . حاولت أن أحلل الأمور لمعرفة سبب دعوته لي . إلا أن الغموض بقي مهيمناً على هذا اللقاء .
وفي صباح اليوم التالي ذهبت برفقة مجموعة من وجهاء القرية وأكابر القوم لزيارة رئيس المجلس ، ومنذ لامست قدمي الدرجة الاولى لمدخل بيته ، بدأت فرائصي ترتعد ، ولولا الخجل من المرافقين لعدوت هارباً .
دخلنا الى غرفته ، فأستقبلنا باسماً ومرحباً ، إقترب مني وحضنني ، فلم أصح إلا ونحن جالسان على مقعدينا ، إذ أن المفاجأة أذهلتني ، وكنت قد توقعت أن يهم بقتلي عندما إحتضنني .
بدأنا الحديث وكان روتينياً .. سلامات وأسئلة عن الأحوال والأولاد والعمل . وعندما إنتهينا من المجاملات ، نظر إليّ الرئيس وفاجأني بالسؤال التالي :
- إذا عرضت عليك منصب مدير قسم المعارف والثقافة في المجلس ، هل تتنازل عن ترشيح نفسك لرئاسة المجلس؟
ذهلت .صمتّ طويلاً . نظرت حولي ولم أدر بما أرد ، فقد توقعت كل شيء إلا هذا الموقف .
- ها .. ماذا قلت .. لن أ‘رض عليك مثل هذا المنصب مرة أخرى ، إنها فرصة العمر .
فقلت متحدياً :"كلام زلام؟!"
فأجاب بهدوء وبريق عينيه يشير الى حسم الموقف "كلام زلام" . فقلت وأنا أهز برأسي بثقة غير معهودة ، والبسمة تعلو شفتي ، وجاملاً ومتحدياً ذكاءه :
"عصفور في اليد ولا عشرة على الشجرة " .
إنتهت
|