طارق فراج
شاعر من مصر
في شارع الحياة الطويل أنا ..
بلا قدمين
هكذا إلى آخر الرحلة ..
قدماي أكلتهما الصخور الناتئة ،
والسنين الطويلة التي مرّت
لم تقدني إلى وطن ..
الحياة كشراع مهتريء ،
تخترقه الريح من كل الجهات
وتاريخي الذي لم يعد له تاريخ
ينزف في البحر .
***
في شارع الحياة الطويل أنا ..
لم أستطع أن أقبض على لحظة واحدة
من السعادة ،
لكنني استطعت ببراعة صياد
أن أجمع في جعبتي كل الحفر
استهلكتني الفخاخ المنصوبة
على جادة الشارع
ودفعتني صرخات الألم
إلى مجرور النفايات .
***
المرآة الضخمة في الشارع
تعرف حركتي جيدا ..،
تترصدني
فكلما تقدمت خطوة للأمام
يدفعني شبيهي في المرآة للخلف
لأبدأ من جديد
***
امتصتني الحياة
في اسفنجة ضخمة ..
غيبتني بين مسامها
الظلمة حولي ، بين يدي ،
في مسارات دمي ..
يبدو أنني صرت أتلذذ بالعتمة ..
أحلم بالصغار يلعبون
في مساحات شاسعة خضراء
تحت سماء لا تعرف القنابل
ولم تسمع عن الصواريخ ،
أحلم .. وأكتفي بالحلم
***
أمام قبرها جلست
تجولت كثيرا في طفولتي الزاهية
قضمت قضمة كبيرة من فطيرتي
المحشوة بالزبد والسكر ،
عدوت حافيا في الشارع بين أقراني
أناطح النجوم ...
بعد كل هذه السنوات
أنا بلا طفولة ،
بلا فطيرة محشوة بالزبد ،
بلا أقران ..
وحدي الآن أمام قبرها
واضعا وجهي بين كفيّ ،
تجلدني الأيام بسياطها ..
أين نظراتك يا حبيبتي
كي تحملني ،
وتضعني في سريري لأنام ؟
***
سأكف بعد هذه الليلة
عن الكتابة ،
فنزيف الدم يكتب مرثية
تكفي لأن تسوّر الكرة الأرضية
بسور عال من الخزي والعار
حتما سأكف عن الكتابة ..
سأكتفي بجمع نثار الأنين
وشظايا صرخات الألم
لأصنع منها ملجأ آمنا
لكل المغدورين على وجه الأرض ..
ملجأ كبير
له باب واحد
لا يفضي إلى تاريخ مضى .
***
يبدو أنني نمت لألف عام،
لم يعد الشارع الطويل كما ألفته .. ،
على المحال الغريبة
عُلقت لافتات غريبة
والناس الغرباء يملأون الشارع ،
ينظرون لي نظرات غريبة
في هذا الشارع
عُلقت سنوات عمري على مشجب صدىء
وحطمت الريح العاتية صناديق الذكريات
في الشارع الذي أعرفه جيدا
رأيتني غريبا .. وحيدا
حاولت أن أستغيث
فوجدتني بلا لسان
***
يسقط الليل مثل كذبة كبيرة
فيبتهج أناس كادحون ،
يسيرون على خطوط مرسومة بدقة
إلى بيوتهم
تاركين لعيونهم حرية التجول في الأركان ،
في الأبناء ، في أجساد زوجاتهم ،
في أجساد العاهرات على شاشات التلفاز ،
وجوه بلا أدنى تعابير للفرح
تبخّرت فجأة لديهم
حصيلة اليوم من القهر والكبت والعنت
وحصاد الرؤوس .
***
من خلف النافذة
ينظر بعينين ناعستين
إلى قرص الشمس
الذي ينعكس شعاعه الذهبي على جفنيه ،
تتضح دروب الصحراء ،
يخرج وراء أغنامه
مرتجلا في كل صباح أغنية جديدة
تقوده إلى المرعى ..
المرعى عالمه الوحيد الذي لا يعرف سواه
وأغنامه القليلة
هي أول الطريق وآخره
***
صدى رنين الهاتف
يمزق ستائر الليل ،
يحرث البيت جيئة وذهابا
قبل أن تستقبل أذنيه الصوت
من الناحية الأخرى ..
يعرف تماما
أن كذبة جديدة سوف تعشش في أذنيه .
***