• نصّ الحكاية

حكاية صوفيشعر نديم الوزه

في إحدى الليالي ، كان خمسةُ رجال
كانوا قذرين
...
آه لو رأيْتَني ، أيُّها العربيّ
إذن ، لاستللتَ خنجرَك ،
و قتلْتَ نفسَك
كنْتَ ، دوماً، بالغَ النظافة

من" حكاية فاطمة "
للشاعر السويدي غونار اكليف.

رواية أولى

1
لِأَنَّ أُمُّكِ علَّمتْكِ الدَّهاء،
وَ أَباكِ علَّمكِ اللصوصيَّة،
و أنتِ لا تستلقينَ إلاَّ بالمالِ
أَوْ بالقوُّة..
تشرَّدْتِ في الطرقات،
وَ صرْتِ شحَّادة ...
... ... ...
وَ مَعَ أَنَّ والديكِ العزيزين
كانا ملكاً وَ ملكةً
لصّاً وَ داهيةً
إِلاَّ أَنَّكِ أنتِ مَنْ علَّمَتِ ابنَ البوَّاب،
ذلكَ المتوحَّشَ القميء،
كيْفَ يغتصبُكِ، ياصوفي..!
أَنتِ مَنْ قبَّلَتْهُ أَوَّلاً،
أَنتِ مَنْ تعرَّتْ أَمامَهُ،
وَ حينَ أَردْتِ أَنْ تصدّيهِ عنْ موطنِ الأَسرار
أَشهَرَ خنجرَهُ،
وَ جعلَكِ تبكينَ مِن اللَّذة ..
لقَدْ حصَلََ ذلك لمراتٍ عديدةٍ
وبطرقٍ مختلفة
كأنَّكِ كنتِ تدركين أنَّكِ عاقرٌ
ولن تثمري...
... ... ...
وَجاءَ الملاكُ المرعبُ،
سيِّدُ الريحِ والمطر،
وَحطَّمَ أركانَ المملكة
قتَلَ والديكِ وَالوزراءَ و الحاشية..
وَأنتِ كنتِ معَ ابنِ البوّاب،
ولم تستطيعي أنْ تموتي..
أجَلْ، ذلكَ ما قلْتِهِ لي في المنام،
وأنا لا أدري:
هل أحببْتُكِ مِنْ أجْلِ ذلكَ كلِّه؟

2
أغريْتُكِ بأموالٍ كاذبة،
وَعرّيتُكِ بالخنجر،
وَبدَلَ أنْ أستلقي إلى جانبِكِ،
بكيْتُ، وبكيْتُ،
حتى غفوتُ بينَ يديكِ،
كطفلٍ في حضنِ أُمِّه!..
وَحينَ أفقْتُ، وَلم أجدْكِ،
اشتعلَتِ النيرانُ في قلبي
وقرَّرْتُ أن أقتلَكِ حقاً:
لكنَّكِ قد سرقْتِ حذائي الوحيد
ونظّارتي التي أهدتْني إيّاها
إحدى الجمعياتِ الخيريّة!

3
حافياً أمشي في الشوارع،
وَغشاوةٌ على قلبي،
أندهُ إليكِ: صوفي، يا صوفي
آهٍ لو تأتينَ إليّ،
لو تأخذينني مِنْ يدِي إلى هناك..
فأنا اشتقتُ إليكِ،
وَلا أريدُ من هذهِ الحياةِ غيرَ أن نلتقي..
لا كي أقبّلُكِ،
لا كي نستلقيَ على ذلكَ الفراشِ المهترئ،
أريدُ أن أغرزَ هذا الخنجرَ في صدرِكِ
كي نذهبَ إلى القبرِ معاً،
كما كنّا نحلمُ، يا صوفي
..

4
خيالُكِ لا يزورني،
بل أتذكَّرُ مرآكِ...
وجهَكِ الشاحبَ المغضَّنَ
محتفظاً بخطوطِ أمارةٍ مندثرة،
جسدَكِ الحليبيَّ المشوبَ بالرماد،
ثدييكِ المتوثِّبَيْنِ كجرذيْنِ شرهَيْن
يربضانِ فوقَ صخرةٍ جليديّة،
وَحوضَكِ الرجراج،
وَساقيكِ..
كلُّها انتفضتْ حينَ رأتْني،
وَغابتْ تحتَ عباءةٍ بنيَّةٍ مُتَّسخة..
وَأنا كنتُ جائعاً، وَمُتَّسخاً،
لكنَّكِ هربْتِ...

5
أجلسُ قرْبَ عربةِ الخضارِ جائعاً،
أنا الذي كنتُ أمْلكُ البساتين..
لماذا فتحتُ ذلكَ البابَ السريّ؟
لماذا رأيتُ عينيكِ، يا صوفي؟
عيناكِ الزرقاوانِ كالخطيئة
جعلتاني أتشرَّدُ في أزقِّةِ المعرفة،
وَأذوقُ الحرمانَ والمذلَّة،
كي أنتشيَ بلحظةِ وجْدٍ-
هيَ مفقودةٌ أبداً
كمن يحبُّ لرغبةٍ بأنْْ يحبَّ لا تلكَ الثمرةَ
وَلا هذه!..
غيْرَ أنَّني ما عدتُ أستطيعُ أن أعودَ
شهوتي لجسدِكِ المحرَّمِ كلَحْمِ الخنزيرِ
تحرقني، وَتُوحشني..

6
لم أعُدْ أفكِّرُ..
أمشي في السوق،
وَلا أرى سوى صورتِكِ الصفراءِ
ملطَّخةً بالأحمر!
أشمُّ رائحةَ شواءٍ
أو رائحةَ عفونة،
فأشتهي أن أمزِّقَكِ إرباً..
وَبيْنَ الحِينِ والآخرِ أتذكَّرُ رفقتَنا سويّةً
حينَ كنَّا نشحدُ الخبزَ،
وَنسرقُ الخضار،
وَأبكي لأني تعبَّدْتُ وجهَكِ،
وَلم أطبخْ دمَكِ بنيرانِ دمي!


7
أطبقُ أهدابي،
وَأتركُ دمي يسيلُ إلى آخرِهِ
قربَ النّارِ التي أشعلَتْها أصابعي المرتعشة
في ثيابكِ الداخليَّة..
ألا تذكرينَ، يا صوفي؟
كنتِ في هذهِ الخرابةِ عاريةً،
وَحينَ رأيتني،
وَتوسَّلْتُ إليكِ بأنْ أبقى،
لا أدري لماذا فزعتِ،
وَارتديْتِ ثيابَكِ الخارجيَّةَ بسرعةٍ،
وَركضْتِ في الظلام؟


ثمَّ التقيْنا في السوق،
وَترافقْنا يومينِ أو أكثر..
كنَّا نشحدُ، وَنسرق،
نتعاهدُ على حبٍّ أبديٍّ،
وَنضحكُ،
وَلم يخطرْ على بالي تقبيلُكِ على شفتيكِ
مع أنَّني ضممْتُكِ، يا صوفي..
أجَلْ، ضممْتُكِ
بعدَ أن أنقذْتُكِ من عاهرةِ الموتِ الأبديَّة،
وَأحسسْتُ بثدييكِ المذعورينِ ينهشانِ صدري..
وَها أنا أموت
لأنَّ هذا الخنجرَ ظلَّ يؤرِّقُني،
وَكانَ ينبغي أن يُغمد!..
لكنْ، إِنْ عشْتُ ثانيةً
كما تُروى حكايتُنا في اللغاتِ القديمة،
فإنَّني لن أحبَّكِ هذا الحبَّ، يا عاهرتي المسكينة
يا حبِّي المسكين..

1 /11/1999
روايـة ثانيـة

1

أتشرَّدُ في شوارعَ أعرفُها
خجلاً من ثيابيَ المهترئة،
يسوطُني البردُ بجدِّيةٍ موتورة،
وَالجوعُ يلدغُني كعقاربَ حامضة،
وَلا مكانَ لي حتى في حديقةٍ عموميَّة
..
أنفاسي لا تدفئُني،
وَلا أمْلكُ سيجارةً وَلا عودَ ثقاب،
لكنَّني لا أريدُ أن أموتَ
لا مِنْ أجْلِ غريزةِ البقاء،
وَلا لأنَّني أنتظر
..
في رأسي كلماتٌ تظلُّ توقظني،
وَتجعلني أنتفضُ،
كلَّما حاولْتُ إغماضةً أبديَّة!

2
مِنْ حياتي القصيرةَ،
وَالتي لم أعشْها،
لم أحتفظْ إلاَّ بما كتبْتُه،
وَببعضِ أوراقٍ مهترئة،/
وَقلماً التقطتُهُ من رصيفٍ ما
مع ما التقطتُهُ من بقايا طعام..
لكنَّ هذا كافٍ لكي أقول:
" إنَّ الألمَ ليسَ في الموت
وَإنَّما في المحبَّة "..
لذلكَ لا تذكريني
كما أذكرُكِ في هذا البؤس،
وَ أتعذَّبُ
لأنَّني لا أستطيعُ انتحاراً..

3
في غيبوبتي رأيتُكِ..
كنتِ على شرفةِ أحلامي
مشرقةً كالعادة،
لكنَّكِ لم تكوني عاريةً،
ولم يكنْ ثوبُكِ ثوبَ عرسٍ
لكنَّهُ يشبهُه..
وَ هذا تفسيرُهُ أنَّ أحداً سوف يموت،
أحداً يشبهُ شيئاً ما،
لا أتذكَّرُه،
كالفكرةِ التي توقظُني،
وتدفعُني كشهابٍ في سماءِ المعنى،
ولا أستطيعُ إيقافها..
4
لا أحدٌ يكلِّمُني،
وَلا أكلِّمُ أحداً،
لا ذاكَ الذي أهديتُهُ،
وَلا ذاكَ الذي أحييتُه،
لقد سرقوا كلماتيَ العاريةَ،
وَارتدوها ثياباً جديدة..
وَأنا لا تناسبُني كلماتٌهم القديمةُ،
وَلا ثيابُهم التي رموْها!

5
عثرتُ اليومَ على أسلاكِ نحاسٍ كبيرة،
وَاشتريتُ ما يسترُ خجلي،
لكنَّني نمتُ جائعاً،
وَحينَ أفقتُ كتبتُ كلماتٍ مضيئةً
كمصابيحَ متناثرةٍ في صحراءِ المعسكر..
كنتُ آكلُ هناكَ بشراهةٍ، وَألبسُ، وَأتدفَّأُ،
لكنَّني كنتُ دائمَ الألم
ليسَ لأنَّ النظامَ،
أو لأنَّني لا أريدُ أن أقتلَ،
وَليسَ لأنَّكِ بعيدة،
بل لأنَّني كنتُ أفكِّرُ في كلماتٍ غيرِ محدَّدة
كما لو كنتُ وحيداً..

6
ما جدوى الأفكار؟
وَالحقائقُ قاسيةٌ كهذا الحرمانِ والتشرُّد..
عليَّ أن أنامَ طويلاً، طويلاً جداً
وَلا أستيقظُ أبداً..
أينَ أصدقائي الثلاثةُ؟
هل ماتوا جميعاً...؟
ألا تذكرين؟
لقد كنَّا أربعةَ موهوبين،
وَالكلبُ خامسُنا،
وَأعطيناكِ رقمَ 6
لأنَّهُ يدلُّ على معنًى أصليٍّ
وَإن في لغةٍ أُخرى..
لقد وجدْنا أنَّ الحياةَ مسرحيَّةٌ
يقودُها مَنْ يملكُ شيئاً،
وَكنَّا أتقياءَ،
نحاولُ أن نقولَ أفكاراً لا تُقدَّرُ بثمن،
أَيْ لا ثمنَ لها..
لذلك لم يصغِ أحدُ إلينا،
فقرَّرْنا أن نمثِّلَ على بعضِنا:
رقمُ واحدٍ أنا،
رقمُ اثنينِ المحبَة،
رقمُ ثلاثةٍ الفنّ،
رقمُ أربعةٍ العقل،
رقمُ خمسةٍ الكلب،
رقمُ ستَّةٍ أنْتِ
وَجعلناكِ مرآةً لنا جميعاً،
وَأعطيناكِ حرّيةَ أَنْ تذهبي إلى الماخور،
ربَّما كي تأتيَنا بما نأكلُهُ، وَنشربُهُ،
لكنَّكِ ككلِّ المرايا
لم تستطيعي الصمودَ أبعدَ،
لقد تهشَّمْتِ عندَ أوَّلِ سقطة،
وَماتَ مَنْ ماتَ عليكِ كمَداً،
وَلم يبقَ غيرُ هذا الكلب
كلَّما رآني دلَّني على حيرتِه!

7
صرتُ أقولُ كلماتٍ أليفةً،
وَلا أعرفُ معانيَها..
فقد فقدتُ يقيني
مع أنَّني وجدتُ لاسمي مكاناً،
لكنَّهُ يشبهُ نبيلاً فقيراً
في حضرة أميرٍ متغطرس
لقد تركتُهُ يأخذُ كرسيّ،
وَهيبةَ حضوري،
لعلَّهُ يبقي لي شيئاًُ،
شيئاً كافياً ما دامَ منِّي،
لكي أؤسِّسَ مجداً ..


فأنا لا أريدُ قوةً،
وَلا سلطة،ً
ولا انتصاراً..
أريدُ أن آخذَ من حياتي
فقَطْ ما ينبغي كي أعيشَ حياتي..
لذلكَ لم يكنْ صعباً أن أنتشلَ نفسيَ
مِنْ بقايا الحكاية،
مِنْ مراياها،
وَأرقامها،
وشخوصها..
لولا أنَّ هناكَ ضوءاً آخَرَ
كان ينبغي أن يُوقَظَ في آخِرِ شارعٍ،
شارعٍ لم تعمِّرْهُ الحكايةُ..
لقَدْ كانَ بحاجةٍ إلى كثيرٍ من الأموالِ
وَإن كانَ لا يُؤسَّسُ بها،
شارعٍ من حجارةِ أوغاريتَ، بابلَ، أثينا،
أو باريسَ التي عمَّرَها بودليرُ كتحيَّةٍ للأشياءِ المهجورة،
للمجهولِ الذي يبكي دفْءَ أمومتِهِ
وَلا يستطيعُ احتضانُها..

أعرفُ أنّي ذهبتُ بعيدا،ً
لكنَّها شاكلتي في الوجودِ أن أطيرَ،
وَلا سيَّما حينَ أحلمُ
..
إنَّها مسافتي حتى وَأنا داخلَ الصفِّ،
أقصدُ يقظتي التي يُقالُ
:
" إنَّها مجنونة
"!
11/12/1999

قصيدة إلى صوفي

ذكراكِ الأبديَّةُ
شوكةُ الوردةِ في قلبِ العاشق،
كنُبْلٍ جريحٍ قدَّسَهُ المعنى،
وَلا يفهمُهُ هذا العالم
..
نزهةٌ على التخُوم،ِ
كانتْ تعِدُ الصابرُ بفوزٍ أكيدٍ
كانطلاقةٍ أوسعَ من عيني ِّالشاعر،
وَأرقَّ من حلمِ المراهق
..
كانَتِ الشوارعُ مؤسَّسةً بحجارةِ الحكمةِ،
وَالرياحُ صديقةٌ،
وَربَّما، فقَطْ، تؤنِّب
..
كانَ الحلمُ يُفسَّرُ كنبوءة،
كانَ الحلمُ يُصدَّقُ، يا عاهرةَ السوقِ المسكينة
يا قلبي المسكين
!..
وَلم يعُدْ لنا إلَّا أن نتذكَّرَ،
نتذكَّرُ المجدَ الغابرَ الذي نحنُ
..
وَخلالَ عزلةِ الحديقةِ العموميَّة
نبكي خطواتِ إمارتِنا الحرَّة
..
فَلْنَنهَضْ إلى شوارعَ باقية،ٍ
فَلْنَنهَضْ عبرَ ليالٍٍ لا تتكرَّر،
فَلْنَنهَضْ على رؤوسِ الجبال،
وَلْنَنظُرْ، يا أميرتي، إلى النُّجوم
انظري، لم تزلْ هيَ هيَ النُّجوم
كَمْ سكبتْ من خمرِ الهداية،
كَمْ أعطَتْ مِنْ وعود،
كَمْ سقطتْ هذهِ النُّجوم،
وَلم تزلْ هيَ النُّجوم!.

مقدمة سليم دولة

سردية و إيروسية

• صدر عن دار نقوش عربية في تونس (آب2010)كتاب شعري جديد للشاعر السوري نديم الوزه،بعنوان (المدينة غريبة كأمي)



• قورينا تحاور الشاعر نديم الوزه



• صدور كتاب الوعي و بناؤه في مسرح سعد الله ونوس لمؤلفه نديم الوزه



• هادي دانيال و فلسطين المبدعة



• أسئلة الفكر التونسي..هادي دانيال



• المكان وغوايته في الرياح بين جناحي لهادي دانيال



• قراءة الناقد التونسي نور الدين الخبثاني في الأعمال الشعرية لهادي دانيال