• سردية و إيروسية

حكاية صوفـي للشاعر السوري نديم الوزة

 بقلم كمال الرياحي


قرأت يوما مقالة لبول شاؤول بعنوان «علاقة القصة العربية بالشعر» بدأها بقوله : «أين تبدأ القصة، وأين ينتهيحكاية صوفي الشعر، أو السؤال معكوسا، أين يبدأ الشعر، وأين تبدأ القصة؟». قد يكون السؤال من أدق الأسئلة وأشفها، لأنه يفترض منذ الانطلاق تمايزا ما بين القصصي (بمعناه السردي) وبين الشعري بمعناه الشامل، أي بمعناه المداخل لكافة أشكال التعابير، والمواقف والحالات...كيف يمكن افراز ذلك الخيط الرقيق (خيط العنكبوت) الذي يجعل من القصة قصة ومن الشعر شعرا ومن القصيدة قصيدة؟
ذكرني كتاب الشاعر السوري نديم الوزة الجديد بهذه المقالة التي قرأتها منذ سنوات في مجلة «التبيين» الجزائرية لما وجدت في كتاب نديم الشعري الجديد الممهور بـ«حكاية صوفي» والصادر عن دار صامد للنشر بتونس (جانفي 2005) من ملامح لهذه الاشكالية الاجناسية للنصوص الأدبية ولتعالق القصة بالشعر.
و الحق أن هذا السؤال يعلن عن نفسه منذ الغلاف من خلال تلك العتبات النصية وأهمها العنوان والعلامة الأجناسية فبين العنوان «حكاية صوفي» الذي يعلن سردية النص الأدبي- ويتوجب عن ذلك تهييء المتلقي لتقبله وفق متطلبات السرد والحكي، وبين العتبة النصية الأخرى المتمثلة في العلامة الأجناسية (شعر)، التي تكسر أفق التلقي الأول لتلحق النص بالشعر، بون شاسع.
فهي تدفع بالقارئ إلى التسلح بما يستوجبه الشعر من أسلحة ودروع معرفية لفك شيفرته والتعاطي معه نصا أدبيا يحمل ملامح جمالية خاصة.
وعلى الغلاف الأخير اختار الناشر جزءا من مقدمة الكاتب التونسي سليم دولة تتعلق أساسا بسردية القصيدة عند نديم فنقرأ: «تتشكل الرواية في كتابات نديم الوزة من مركب منعطفات سردية تجعلنا وجها لوجه مع نص اختلافي، وقد يكون خلافيا عن قصد. أما من جهة كونه اختلافيا فهو ينبني على استدعاء حكاية، منتظم من الكلمات والإحالات والأحوال تستدعيها ذات وفق منطق سردي يعي كونه يكتب حدثا جديدا على الأذن المرباة على الشعر قوامه الموسيقا، والموسيقا قبل كل شيء. بينما (حكاية صوفي) يحكمها ايقاع واضح لا يطلب من أذن القارئ رتابة في التلقي، إذ يتغير الإيقاع من رواية إلى أخرى وحتى بين مفردة سردية وما سبقها...».
إن لعبة المراوغة وتلاعب المؤلف بالقارئ لا تنتهي على الغلاف ولا يحسم أمرها خارج النص انما تتواصل اللعبة داخل المتن الذي قسمه صاحبه إلى فصول أو أجزاء حمل بعضها عبارة «رواية أولى» و«رواية ثانية»...
وكلمة «رواية» حمالة أوجه، فتذكرنا بأعرق الأجناس الأدبية : جنس الرواية مثلما تذكرنا بالري في محموله المائي
.
كلمة رواية هذه جعلتني أعود إلى الغلاف لأقرأ من جديد وأتساءل عن مدلول وهوية «صوفي».

إن هذا العنوان الملتبس يمكن أن يقرأ قراءتين على الأقل، حيث تفتح كلمة «صوفي» على معنى الصوفية والتصوف وهذا يدفعنا إلى تقبل النص وفق معايير النص الصوفي فيستجير المتلقي بمدونة النفري وابن عربي وادونيس....فالعنوان يلقي لنا فرضية أن تكون الحكاية «حكاية صوفي».
وقراءة ثانية تدفع بها إلى سطح الذاكرة دلالة كلمة «صوفي» باعتبارها اسما علما sophi
وعندها نتساءل عن إمكانية العلاقة بين صوفي نديم وصافو sapho الليزيبيانة الشهيرة في التاريخ الاغريقي بجزيرة ليزبو تلك الشاعرة الشبقة التي تعشق أجساد النساء.
ومن ثم فعلينا ان نهجم على النص منتظرين منه ان يكون نصا بضا ونصا ايروسيا بامتياز وعندها تحمل عبارة «رواية» معنى الري الجنسي وتحمل مياه الشعر ايروسيتها المنتظرة.
فما الذي وجدناه في «حكاية صوفي»؟
إن كتاب نديم الوزة يجيب عن كل هذه الأسئلة بالايجاب فهو نص مفتوح على كل الأجناس الأدبية والسردية خاصة ويكاد يؤكد مقولة انهيار نظرية الأجناس الأدبية لميوعة الحدود بينها وتداخل انسجتها.
إنه كتاب قائم على الحكاية والحكي مثلما هو قائم على نثرية القصيدة من جهة وسردية خطابها من جهة ثانية فنقرأ مثلا:
لم أعد أفكر

أمشي في السوق
و لا أرى سوى صورتك الصفراء
ملطخة بالأحمر
أشم رائحة الشواء
أو رائحة عفونة
فأشتهي أن أمزقك إربا...
و بين الحين والآخر أتذكر رفقتنا سوية

حين كنا نشحذ الخبز
و نسرق الخضار
أبكي لأني تعبدت وجهك
و لم أطبخ دمك بنيران دمي (ص36/37).
والحق انه لا عجب من حضور هذه السردية وهذا الحكي في شعر نديم الوزة، لأننا لو عدنا إلى الشعر العربي القديم، كما يقول بول شاؤول «من امرئ القيس الى النابغة إلى لبيد، وإلى الأخطل والفرزدق وجرير [...] نجد العنصر السردي أساسيا وجوهريا في شعرهم يشكل وجهات من وجوه بناء القصيدة، فالقصائد عند معظم الذين ذكرنا تسرد حكاية حال أو حكاية ناس أو أحداثا ولهذا قيل إن الشعر ديوان العرب خصوصا في العصر الجاهلي «و بين شاؤول أن التقسيمات التقليدية ويقصد بها الاغراض الشعرية» قامت على الموضوع أي على الحدث فالرثاء يحكي قصة موت والمديح يحكي قصة ممدوح والغزل يحكي قصة حب، والحماسيات تحكي قصص الحرب والشجاعة، والوقوف على الأطلال يحكي قصة الأمكنة والناس والوصف يضع الطبيعة والبشر والتاريخ في سياق سردي» ولم يستثن شاؤول الشعر الصوفي فقال : حتى الشعر الصوفي رغم طوابعه الاطلاقية المجردة يروي حالات الكائن مع الله ومع الطبيعة.

و لا يمكن أن ننسى قصيدة ديك الجن الحمصي التي يروي فيها قصته مع جاريته التي قتلها حبا وهياما وجعل من جمجمتها كأسا يشرب فيه خمرة الندم.
يأخذ النص الشعري عند نديم الوزة بعدا ايروسيا كبيرا في مجمل لحظاته، فيعيد كتابة الحالة العاطفية كتابة ايروسية تمتح من الأسطورة ولا تهمل جمالياتها الشعرية إنما تغذيها فيكتب المسكوت عنه شعريا.
ومن جهة ثانية فإن هذا الحب الذي يعلنه نديم الوزة في نصه فيه حرارة وتوهج الحب الصوفي الفياض
.
كتاب نديم الشعري الجديد كتاب آخر ينضاف إلى مدونة محترمة بدأت تتشكل ملامحها منذ سنوات لجيل شعري جديد يستحق أن يقرأ نصه باحترام في ظل حركة الإنزال اليومي للكتب الشعرية الخاوية في الوطن العربي

 نصّ الحكاية

مقدمة سليم دولة

• صدر عن دار نقوش عربية في تونس (آب2010)كتاب شعري جديد للشاعر السوري نديم الوزه،بعنوان (المدينة غريبة كأمي)



• صدور كتاب الوعي و بناؤه في مسرح سعد الله ونوس لمؤلفه نديم الوزه



• هادي دانيال و فلسطين المبدعة



• أسئلة الفكر التونسي..هادي دانيال



• المكان وغوايته في الرياح بين جناحي لهادي دانيال



• قراءة الناقد التونسي نور الدين الخبثاني في الأعمال الشعرية لهادي دانيال