|
بعد خمس سنوات من صدور كتابه الشعري الخامس "حكاية صوفي" صدر عن دار نقوش عربية في تونس (آب2010)كتاب شعري جديد للشاعر السوري نديم الوزه،بعنوان "المدينة غريبة كأمي" و يتضمن حوالي ثلاث و خمسين قصيدة، ترصد حياة الشاعر في دمشق التي ولد و يعيش فيها منذ خمسة و أربعين عاماً،وهي موزعة وفق العناوين التالية:قصائد القابون ،فراغ تتركه امرأة،شتاء 1989،شوارع قصيرة،المدينة غريبة كأمي،و هنا قصائد مختارة منها
قصائد دمشق 1988 - 1989
نديم الوزه
قصائد دمشق
1- سماء القابون
تبدو السماءُ قرويَّة
إذ جعلت الريحُ غيومَها أرضاً محروثة..
و القمر الذي يُري ذلك
و القمر الذي يبحثُ عن أصدقائهِ في أزقَّةِ المدينة
ظلَّ لساعاتٍ وحيداً
ثمَّ مضى بحسرة..
لم يستطعْ نزعَ النير
من تحتِ النير
لا أحد ينظرُ إلى السماء!
2- ساحة العباسيين
بعدَ كلِّ هذهِ القرون
و الثيران
و الدماء
لم يبقَ في هذهِ الساحة
سوى ملعبٍ لكرةِ القدم
يشهدُ على هزائمِنا المتتالية
منذُ سقوطِ بغداد
و عودةِ صقرِ قريشٍ من أوربا
بجناحٍ مكسور
و عينينِ مفقوءتين
تحتَ نظارةٍ سوداء..!
3- باب توما
لمَ أكذب؟
لا يحتاجُ الأمرُ بخوراً
و لا زيتاً
كي يُسكبَ في قناديلِ النذور
و لم أرَ أحداً
يدخلُ على رؤوسِ الأصابع..
فالمكانُ ليس أكثرَ من سوق
و لا أقلَّ من أمسيةٍ رائقة
و ازدحامٌ يوميٌّ مألوف..
شارعٌ، رصيفٌ، دكاكينُ، مطاعمُ، أبنية،
و ثمّة شجرةٌ، شجرتانِ، و أكثر...
أسمعُ دقّاتِ الكنيسة
و أصغي..
لا مسيحَ يعاني
فقَطْ،
صلبانٌ تتراقصُ فوقَ الصدور!..
في فجرٍ شتائيّ،
و أنا أطلُّ من شرفةِ شهواتي الفتيّة،
كان الفجرُ فوقَ المدينةِ أشهى شَفَة،
كان هذا رأياً،
لم أشأِ البوحَ به..
لكنَّ نفحةً باردة
تسلّلتْ بينَ ثيابي،
رأتِ ارتعاشَ خلاياي،
و فضحتْ ذلك!
1988-1989
ديـك
يُوقظُني الزكام،
مع نهايةِ القرنِ العشرين
عندي الكهرباءٌ مقطوعة،
أعطسُ،
وبلا يقينٍ أقول:
"هذا فألٌ حسنٌ لروحٍ مندحرة"
غيرَ أنَّهُ لا نبيذَ تبقّى،
ولا شمعةٌ كي تضيئَني،
ولا امرأة،
أنظرُ الفجرَ المقبلَ إلى زجاجِ النافذة
يلمعُ في قدحِ البارحة،
وأضحك..
حقّاً ماشأني بالصباحِ أنا؟
و لا وظيفةَ أشغلُ،
وكلُّ أطفالي ما توا خارجَ أيِّ رحمٍٍ
قبلَ أن يذهبوا إلى المدرسة..
أبداً كلُّ هذا لا شأنَ للكهرباءِ بهِ،
إنّهُ البردُ ما يجعلني أتبوّلُ بحرقةٍ
وأكملُ نوبةَ العطاسِ كأبلهٍ..
ثمَّ إننّي عاكفٌ كي أعاودَ النوم
أن أخنقَ هذا الديكَ السماويَّ بستارةٍ فظّةٍ
قبلَ أن يصيحَ في دمي
منتفضاً بحياةٍ مخادعةٍ،
أو هيَ غيرُ مجودةٍ حقاً!
القابون4/1/1998
إيقاع الألم
لا أشجارَ حديقة،
ولا حفيف،
ولا حريرُ ثروةٍ منتظرة،
غيرَ خشونةِ الجدران،
وقرقعةِ الحناجرِ والآلات..،
والرغيفُ ليسَ سهلاً،
والطعامُ بلا نكهة،
والشرابُ صدئٌ كدخانِ هذا التبغٍ الرديء،
وكلُّ ما أقرؤه
وكلُّ ما ينبغي أن أكتبَه
ليس هذا
كي أقول: إنّني أعيش..
يوميّاتٌ مكرّرة
كأنّها تكرُّ من بكرةِ حبالِ أنشوطةٍ لا مرئيّة
حولَ رأسي الذي يعدُ المستقبلَ بحريةٍ أوسع
من أيِّ احتمالٍ – رغمَ عزلتي التي طالت
كالسجنِ – مشغولٌ بازدحامِ الفرن،
وأسعارِ الخضارِ، وحسرةِ العائلةِ وعجزِها
أمامَ الأدويةِ والمازوتِ والثياب،
وليستْ إلاّ لحظةَ برقٍ حالمة
تلكَ التي أشغلُ نفسي فيها بأثاثٍ ما
إذ لا تلبثُ أن تبدّدَها مشاجراتٌ اعتباطيّة
لكسرِ إيقاعِ الألم،
وقحّةِ المرض،
وحشرجةِ الحقيقةِ القدريّة:
إنّني فقير،
وهناكَ مَن يريدُ قتلي...؟
القابون 6/11/1997
مقهى الروضة
منظرُ الكراسي والطاولات،
والمقهي فسيحٌ، نظيفٌ، خالٍ
حتّى من الأصدقاء..
فرصةٌ قد لا تتكرّر
لكي أجلسَ على الكرسيِّ منفرداً،
متفرّداً،
تنظرُ إليَّ حسناواتُ المدينة،
وأنا عبرَ زجاجٍ قاتمٍ كنظّارةِ مستعرضٍ فنّي
أنظرُ إلى صورتي كأيقونةٍ أسطوريّة
معكوسةً في الشارعِ فوقَ السياراتِ قليلاً..
خمسُ
بل عشرُ دقائقَ مرّتْ كذا
كذا..
لكي أنظرَ إلى النوافذِ كعيونٍ فارغة،
إلى الجدرانِ كأجسادٍ يابسة،
إلى الأرصفةِ كخطواتٍ مشرّدة،
إلى الحواجزِ كشهواتٍ منكسرة،
لكي أنظرَ
وأنظرَ
حتى أنعسَ من ثباتِ المشهدِ وخلوِّه..
وكيلا أبقى شارداً هكذا
أو كما ينبغي لشاعرٍ بأحوالِهِ أن يشردَ بالظلالِ الشاردة،
أبدأُ بشربِ قهوتي،
وأكفُّ عن التفكيرِ بي..
أفكّرُ بأصدقائي الذينَ ماتوا كسالى
أو مِن كثرةِ ما حالوا قتْلَ قصائدي،
أفكّرُ بقصائدي المنسوخةِ بأيدي المرتشين
أو بالأيدي المتّسخةِ بما لا يُغسل،
أفكّرُ بالمجدِ البالي للصوصِ البلاغة
أو لشحاذينَ أتقياءَ كمصلّينَ أمامَ الآلهة،
أفكّرُ بما لا أفكّرُ بِه،
تاركاً اللحظاتِ تمرُّ كباصٍ محتجَز
يلوّحُ لي مسافروهُ إلى جنّةِ قصائدي
ولا أحدَ يخلي مكاناً لي..
وربّما لأنّهُ ليسَ لديَّ ما أفعلُه
غيرَ أن أتململَ في مكاني
ضجراً من يقظةٍ مضجِرة
بسرعةٍ أتحقّقُ من الأبوابِ والجدران
من لا حسناواتٍ يعبرْنَ
ولا أصدقاء..
فقَطْ لم أزلْ جالساً كمقامرٍ بحظوظِه
أنتظرُ ابتسامةً غنيّةً كغيمةِ نقود
قلقاً أن يبدّدَها صحوُ اليمين
أو أرقُ اليسار
كلاهما بفكاهاتِهما الدامية
واختلاسِهما أحلامي
جعلاني بلا امرأةٍ واحدة،
بلا شقةٍ واحدة،
بلا سيارةٍ واحدة،
لا ألهو بالمعذّبِين
ولا أمازحُ السائق
ولا أصاحبُ غيرَ زوجتي
آه حتى الغيومُ تخدعُني دائماً
كي يضاءَ الشارعُ ماحياً صورتي بواقعيتِهِ المقيتة،
آه حتى الجرائدُ لا تنشرُ صورتي
كيلا يصيرَ اسمي علامةً مسجّلة،
آه لا أريدُ اسمي ككيماويٍ لدلالاتِ العناصر
ولا كعازفِ أسطواناتٍ مدبلجة،
آه بعد آه تفرقعُ كأغنيةٍ معطوبة
ربما تُطرِبُ همجاً بأموالٍ تركبُ حتى الحضارة،
ولا أركبُ غيرَ حذائي،
وتفُّ..
قصيدةٌ قفراءُ كحرمانٍ أجرد،
وقتٌ مبدَّدٌ كمَنْ يداري غيابَهُ بانتظارِ حكمِ العدالة،
سجنٌ بلا حرّاسٍ ولا جدران،
شعراءٌ بإداريينَ ومشجِّعين
وبمَنْ دخلَ على الخطِّ من رواةٍ وممثلين
(كلُّهم نجومٌ) – تقولً الصحافة –
منطفئينَ يطفئونَ كلَّ بريقٍ آتٍ،
ولا خوفَ عليّ..
فأنا قادرٌ،
قادر خارجَ كلِّ هذا،
قادرٌ على الخروجِ بلا أوهامي،
قادرٌ على ألاّ أنسى صورتي للشارعِ وغيومهِ،
قادرٌ على أن أشعلَ سيجارتي،
موقناً أنّهُ لا بدَّ من مقهىً آخر،
من شارعٍ آخر،
من سماءٍ أخرى سوفَ أمحضُها ثقتي،
لأمشي وأحلامي كأنَّني لم أفقدْها بعد!
1999
هنري ميشو
فيما كنّا نتمشَّى هنا أنا وهنري ميشو منذُ عدّةِ أيام.. رأيتُهُ يفتّشُ في مخيّلتِه ولا يجدُ شيئاً، كان يبدو عليهِ الإعياء وكدتُ من نظراتِهِ إليَّ ألمحُ استجداءً ما، ولمّا كانتْ مخيّلتي خاليةً هيَ الأخْرى ربما لانشغالي بهِ وتأسُّفي عليه سألْتُهُ كمَنْ يواسي نفسَه: "ما الذي جاءَ بكَ إلى هنا، يا ميشو؟"
توقّفَ فجأةً وأخذَ يضحك
ويضحك، وأنا أنظرُ إليهِ مشدوهاً..
ثمَّ.. ربّما حينَ أشفقَ لحالي كفَّ عن الضحك، وتابعْنا المشي وكلُّ واحدٍ يفتّشُ في مخيّلتِه لعلّهُ يعثرُ على شيءٍ ما قد يقولهُ لزميله، حتى أنّهُ سألني: "منذ متى لم نلتقِ في هذهِ المدينة؟" تطلَّعتُ إليهِ مدهوشاً ولا أدري كيفَ انفجرتُ ضاحكاً.. كنّا نمشي ونضحك، نضحكُ ونمشي، كأنّما انكشفَ سرُّ كلِّ واحدٍ منّا للآخر دونَ إرادةٍ منه!
شارع البرازيل
المدينةُ غريبةٌ كأمّي قبلَ أن أولد، حتى أنَّ سحابةً عابرةً خدعتْني بأمطارِها، قلتُ: "تأخرتِ كثيراً حتى أنّكِ لن تأتي غداً"، بل لأحيِّدَ هذهِ الوردةَ المرتوية فلا تأسفَ لرقّتي رميْتُها بنظرةٍ بائسةٍ إلى الأوراقِ اليابسة.. نظراتٌ تتشُّ، وخطواتٌ لزجة، والسياراتُ تمسحُ عن عيونِها دموعاً كاذبة، ولا شيء،
شارعاً
شارعين
وها هوَ الصحوُ يستأنفُ الحركة ويذيبُ أضواءَ الجليد كي يرجفَ قلوباً مزجّجة.. الحيُّ عريقٌ ككآبتي، والمارّةُ داخلَ ياقاتِهم المتغطرسة يخبّئونَ أفواهاً مفترسة، الريحُ كلبُ السيّدة، وآلافُ الكيلومتراتِ من السجائرِ دخّنتُها كي أُسكتَ صهيلَ شهوتي.. أفكارٌ مشتَّتة كتأرجحِ رأسي بين تفاهةِ هذا الوجود ولترِ نبيذٍ كمعنى الوجودِ ذاته.. أجَلْ،
بيضاءَ هذهِ الليلة أريدُها بيضاء ..
حتى أنّني مشرقاً أنحني كي أرسمَ وجهَكِ الغائب
بأنفاسيَ بينَ كفّي كقوسِ قزح...
3/1/1997
مقهى الإنترنت
إجازة طبّية منحتني فرصة أن أجلس مجدّداً
في مقهى..
كان صباحاً رائقاً
وكان ينبغي على رأي جاك بريفيير
ألا يمنح للعمل..
لكن النادل الذي لا يعرف بريفيير
ولا آراءه،
بدا نشيطاً وهو يتَّجه إليّ..
أخرَج دفتره وابتسامته،
فطلبتُ فنجانَ نسكافيه بلا حليب،
ومنفضةَ سجائر..
وبدلَ أن أفكّر بموقعي على الانترنت
كما هي عادتي هذه الأيام،
قلتُ: " أرتاح من التلاميذ"
وأنا أخْرِجُ أوراقَ امتحاناتهم ..
أشعلتُ سيجارة،
ولا أدري لماذا شغلَ اهتمامي أن يكونَ التلاميذ
قد أخرجوا كتبَهم الآن..؟
وهذا بائعُ الصحفِ يخرجُ صحفَهُ ومجلاتِه،
مذيعةُ التلفازِ تخرجُ أوراقَها،
وربما اكتظتْ غرفُ الموظفينَ بالاستماراتِ الورقية،
وغيرِها،
وغيرِها،
ممّا أكادُ لا أراها من الزجاج؟
حتى كدتُ أنسى أينَ وضعتُ ورقةَ استراحتي؟
ورأيَ بريفيير؟
وموقعي على الانترنت؟
لأستذكرَ درسَ الورق،
وكيف يُصنعُ من القطنِ والخشب،
وأتساءلُ: إن كانتْ حرارةُ الأرضِ ترتفعُ بسببِه؟
وربما لولا بعضُ أوراقِ نباتٍ خضرٍ خلفي،
وأماميَ وجوهٌ لا لونَ لها،
حسبتُ الخليقةَ كلَّها
مسرعةً بأوراقِها..
ربما من دائرةٍ حكومية
إلى مصرف ،
أومن مصرفٍ
إلى دوائرَ مغلقة..
كيف تجري الأمورُ إذن؟
أين يخرجُ السيّدُ بآلامِ عبيدِه؟
وعلى أيّةِ أوراقٍ يمضي؟
والأرجلُ
تتلاطم
في الرؤوس
تزدحمُ
الحساباتُ
تفشي السيارات
وتضرط
حتى الهواء
يكادُ يختنق
والشوارعُ تلفظُ أرقامَها الخاسرة..
عشرةً على عشرة،
ثمانية من..،
خمسة..،
ستة..،
اثنان،
وا....
أقلّبُ أوراقَ امتحاناتِِِِِِِِِ تلاميذي الفرحينَ بكآبتي،
والشامتينَ بشتائمي..
فتبرزَ أسنانُهم الكبيرةُ كضوضائِهم،
والبيضاءُ من غبارِ طباشيرهِم،
كي تطاردَ ما تبقّى من أعصابي المتلفة..
ألوذُ بنظرةِ امرأة
لتغسلَ ذاكرتي قليلاً
لكنها إذْ تجلسُ متربِّصةً بيدي لحظةَ تخرجُ من جيبتي
تتنهّد
كي تفوحَ في فمي رائحةٌ كرياحِ المصارف
كريهة!..
ماذا تبقّى لي،
وأنا في وحدتي،
غيرُ أن أخرجَ بي إليّ..؟
... ... ...
... ... ...
... ... ...
هاهنا صندوقٌ للحساباتِ الجارية
للفرجةِ والحكاية
ومنزهٌ لرؤايَ الجديدة
حيثُ أفتحُ أحدثَ نظامٍ للأنتي فيروس،
وأنقر:
لا أشجارَ إلا ما ترفعُها أصابعي،
لا طيورَ إلا ما ترفرفُها عيناي،
ولا سماءَ أوسعُ من أزرقِ روحي،
ولا أرضَ أبقى من هذهِ التي تحدُّها خطواتي،
أنا النهرُ بعطوفاتِهِ السبعة،
نديمُ غوطةٍ لم تحطّبْها الأقلام
والدفاتر!
مقهى الهافانا/شباط 2007 |