قصائد مختارة
شعر نديم الوزه
أفكّر بهذا
حقاً دونَ فِكر كيفَ أكتبُ بعضَ كلماتٍ مهمَّة؟ كيفَ يُمْكنُ الكِتابَة؟ كأنَّما الرَّغِيف يُمْكنُ أنْ يكونَ رَغِيفاً ما لم يكُنْ قمحاً وناراً وأشياءَ أُخَر.. كأنَّما المرَأْة يُمْكنُ أنْ تكونَ امْرَأة ما لم تكُنْ جَسداً ورُوحاً وأشياءَ أُخَر.. أفكِّرُ بهذا لأنَّ جميعَ لوحاتِ العالم لا يُمْكنُ أن تعوِّضَ الجائِعَ عن كسرةِ خبْزٍ واحِدَة.. وأفكِّرُ بهذا، لأنَّ جميعَ قصائدِ العالمِ لا يُِمْكنُ أن تعوِّضَ العاشقَ عن عناقِ امْرأةِ واحِدَة.. كأنَّما أفكر بهذا لأننّي دائماً أفكر بهذا دائماً، دائماً، دون رغيف وامرأة كيف يمكن التفكير بأشياء مهمّة؟ كيف يمكن التفكير بكلمات مهمّة؟ كيف يمكن التفكير؟ 23/10/1997 أريد أن أعيش
مللتُك أيّتها الكلمات والخطوط والألوان، وأنت تشبهين ابتساماتٍ أو دموعاً لا ترى.. أريد أن أبكي مثل أي إنسان يبكي، أريد أن أضحك مثل أي إنسان يضحك، أريد أن أعيش مثل أي إنسان يعيش.. أجَلْ، أيّتها الكلمات والألوان مللتك.. وأنت تدفعينني إلى مسرّات خلبيّة لا تكتمل، أو لم توجد أبداً.. وأنت تتساقطين من عينيّ رهيبةً، مثل نيازك طائشة، لتزيدي من لهيب قلبي، وضجيجه.. وأنت تحدّثينني عن الحريّة لكي تدخليني إلى أضيق السجون.. وأنت تحدّثينني عن الحب لكي تغتصبي كلّ حبيبة منّي.. وأنت تقتلينني أيّتها الكلمات والخطوط مثل صرخات شاردة عبر جميع الأمكنة والأزمنة، ولا من يصغي إليّ، أو يرى دموعي!
10/10/1997 أخاف من قولي أشيخ، إنّني أشيخ، وليس هذا كافياً لكي أنضج، وليس هذا ما ينبغي لكي أموت، لم تزلْ روحي قويّة كنهر قويّ، ولم أزل غضَاً طرياً، أتساقط كأوراق الربيع.. بل إنّني أقول أي شيء كيلا يبقى شيئاً، فكرةً تتركّب وتبقى غير مفهومة، صورة تتشكّل وتبقى غير مكتملة، موسيقى تتردّد ولا تنطلق كالخرير، أيّ شيء تعلمني الحياة به ولا أعيشه، أي شيء أقرؤه وأمنحه أبعاداً جديدة، أي ّ شيء يفسّر غيري ويزيدني غموضاً، أي ّ شيء يعترض طريقي ولا يدلّ عليّ، أي ّ شيء يجعلني أمّحي لأنّني أقوله.. وهذا لا يمكن أن يستمرّ طويلاً، مهما امتدّ، واتّسع، وتعمّق، أخاف للنبع الذي أتدفّق من أن يرتّد إلى نفسه، أخاف من وقفتي والعالم أنقاض، أخاف من قولي ولا أحد يصغي إليّ..
إن الروح الأبيّة لا يمكن أن تهان إلى ما لانهاية!
8/12/1997
أكوام اللحم
اقتلعيني أيّتها السماء فروحي تتناثر كالنجوم، ابتلعيني أيتها الأرض فجسدي يحترق كبركان، لا أريد إشارات ورؤى مستهلكة كالفواكه والخضار، أريد التحاماً بآلهة الحرمان، فأنا ظمآن وظمآن وظمآن منذ الأزل، ولا ترويني كلّ الغيوم، و لا ترويني كلُّ البحار، ولا ترويني كلّ اللحظات الفانية كهذه الكلمات كهذه الألوان كهذه الخطوط تسيل ندماً بيضاء سوداء ورماديّة، وأنا أبكي عزلتي وانتظاري، وأنا أبكي عزلتي وانكساري، حبيبتي لمّا تتكوّنْ كالشتاء، حبيبتي لمّا تتفتح كالربيع، حبيبتي لمّا تضحك شهيّةً كالصيف.. حبيبتي العارية كالطبيعة، اللاهية كإله، أين هي؟ على أيّ كوكب؟ داخل أيّ كهف؟ منذ متى أبحث، وأسأل، ولا أرى؟ غير هذه الصور المنسوخة كالأزياء، الممزّقة كالضحايا، آلاف الصور، آلاف الفتيات الواهمات، آلاف النساء الساكنات كالأصنام، أو كأكوام اللحم، أجساد تباع في الأسواق كالدمى، أو دمى تتحرك في المنازل وتساط بالأشغال كالرقيق، ولا امرأة تحتجّ كالزلزال، ولا امرأة تصرخ كالرعد، ولا امرأة تنطلق كالريح، ولا امرأة تأتيني بالطوفان...! 1999 الصورة التي لي
آهٍ تلك الصورة التي هي لي، متى تأتي؟ كي تحيا قربي وتعينني، كي نعرف اللذة، كي نتحرر، كي نوجد أنا وهي مثل إلهين يصلّي كلّ واحد منهما للآخر، مبهورين بهذه اللانهاية التي عيوننا حين تحدّق في بعضها تودّ لو تنصهر، مثلما أتخيّل مسبري الآن ينغرز عميقاً كما لو كانت أرضاً أخرى وأنا أريد تفجير المركز: مجرّة واحدة لروح واحدة والنجوم والكواكب قصيدة متشظّية!
لكنْ، تلك الصورة محصورة في إطار المادّة الذهنيّة تمدّ لسانها الكلبيّ وتمضي.. كي تتركني وحيداً صامتاً، أنكحُ الفراغ: ناري تنطفئ، وجودي يتضاءل، كلمتي تمّحي!
1997 قلبـي
في مهبّ الريح، معلّقاً على أوراق الصبّار، صارخاً حتى سموات نائيّة، ناحباً تحت عجلات الزمن، مدخّناً شهواته المحترقة، كلّ رغبة وصارت ذكرى ميتة، كلّ نظرة ونقيضها مرمّز، كلّ العذاب والكراهية، ولاسيّما في أسعد اللحظات المفترضة، تشويه كلماته الصادقة ربّما ببعض النقود الكاذبة، إلقاؤه إلى الأقدام، صفعه بالوحول ضياعه الزحام، براءته من كلّ ذلك وممّا هو أفظع قلبي لا يفهم غير الحبّ حتّى يكاد يتصدّع شوقاً إلى الحريّة. 1997 نـدم
أيّها القلب المضطرب مثل طبلٍ يدقُّ منفرداً وسط غابة صامتة من الكوابيس الرهيبة متى تكفّ عن الخفقان؟ هكذا، دون سابق إنذار.. فلا أندم على عمر ضاع أو على عمر أحلم أن يجيء حيّاً، فتيّاً، حقيقة، وينبغي أن يعاش، بعيداً عن الفكرة ونقيضها، بعيداً عن العين الحاقدة، والأخرى الكاذبة، بعيداً عن الآلهة الشريرة، والتي تعاقب.. آه أيّها القلب التعس توقّفْ، أرجوك أن تتوقّف، توقّفْ.. ليس في هذا العالم غير هذه الأشباح المقيتة التي تدمّر، والتي تشعل حريقاً كاسحاً داخل رأسي، ولا تدعني أنام!
10/10/1997 حشرات
أيّ أمل؟ مادام اجترار الحكايات المسلّية والانصياع تماماً لطغاة يلعبون بمهارة باردة، كي تبقى البشريّة هي دائماً من يدفع الثمن – دماءً ملتهبة تمتصّها حشراتُ شهوة متخيّلة، عاجزة، تربض في الظلّ كعناكب تعيش منذ ألف عام، طفيليّون، مجّردون من جسد االحياة، يجّردون العالم من روح العشق والإخاء، جزّارون مهرة، يقصّبون جسد الحياة الحيّة، كي يرقّعوا حياةً بالية، مهترئة، إثارات إثارات، نبوءات يوميّة، نبوءات مستهلكة، نبوءات كاذبة، تعمل دائماً على موتي فموتك أيّها الإنسان!
26/10/1997
الحيوان الذي ينظر
حقّاً صارت الروح علامة، وصار الجسد شهوة، والفكر فصاماً بين النقائض.. حقّاً هناك من يريد هذا الحيوان الناطق مات أو هذا ما ينبغي كي يكون المستقبل كلّه للحيوان الذي ينظر، ينظر مشدوهاً أبلهاً، كمن يستمني تخيّلاته ولا يعرف ما ينبغي أن يقال.. كأنّ كلّ حلمٍ إنساني تحطّم، كي يعاد بناؤه كآنية مزخرفةٍ من العصور القديمة.. كأنّ كلّ حلم بحريّة الإنسان المفكّرة، بحريّة الإنسان الحرّة، صار مسخاً مجّرداً لانعكاسية الحيوان.. كأنّ كلّ الشعراء الذين نادوا بخلودك، أيّتها البشريّة يموتون الآن!
25/10/1997
هذه القشعريرة
1 هذا السأم مثل هذه العزلة التي لم تعد تطاق، بعد أن لا معنى لصعودٍ منفرد لكي تُقرع أجراس السماء.. إنّ كاتمات صوت الإنسانيّة بعدد آذان البشر..، وهذه القشعريرة الدفينة أحسّها منذ تلك السنوات المهجورة، بعد أن صار الله الذي يحبّ، والذي أدركه بمُثلي المطلقة، ذريعةً للقتل والحرمان. إنّني أحسّه في داخلي يبكي حاجةً رهيبةً لعزاء ذلك الإنسان الذي كنت، أو ينبغي أن يكون، جاهلاً بالعبودية والعهر، عارياً مستتراً بالعري، بسيطاً وغامضاً بساطة هذه المرأة وغموضها، عاشقاً جسدي جسدها العاشق، مفكّراً بما تفكّر به متماهياً وإيّاها بهذه الصورة التي هي واقع وحلم، والتي باركها الله وأنساها، ربّما من أجل أن نحياها حرّة ومن غير شبه، بعيداً عن هذا السأم، بعيداً عن هذا التكرار المنعكس عن مرايانا المحطّمة، بل بعيداً عن كلّ هذه المرايا التي لا تكفّ ونحن نحاول امتلاكها عبثاً من أن ترينا إخفاقاتنا الأبديّة!
2 هذه القشعريرة التي هي إعلان غياب، شوق ترسّب طويلاً، طويلاً جداً، حتّى أنه يُحسّ الآن وحسب جليداً حارقاً يكوي جسدي ويخمده.. كأنّ حياتي هذه التي تنطفئ كلّ يوم يمرّ، ساحةٌ للقتال مجهولة الأعداء والأصدقاء.. كأنّني مدمَّر كإله وأحتاج ترياق امرأةٍ أسطوريّة حقّاً حتى أحيا بعد كلّ هذا بصحةٍ وسلام!
3 إنّها تعود، دائماً تعود هذه الأفعى، هذه القشعريرة في طريق الظهيرة، كم هي جبانة وغبيّة! إنّ كلّ ما اتصفتْ به شرير أبداً، ولم يكن سوى محو لكلّ معرفة نبيلة.. إنّها لا تقود إلاّ إلى أماكن ضيّقة، رطبةٍ ومظلمة.. إنّها تقبع في داخلي كتميمةٍ ملعونة، ولا تدعني أتقدّم خطوةً أخرى مشرقاً وحرّاً إلى المرأة التي أحبّ، إلى القصيدة التي أبدع، إلى الحريّة التي هي وحدها معرفة الله، وصلاتُه! 11/10/1997 ميـزان
حين الشرّ شرهاً يأكل بملاعق الذهب، والخير محروماً يتشرّد في الطرقات، حين الشرّ قويّا يملك ميزان العدالة، والخير سجيناً يدان بأعتى الجرائم، حين الشرّ متغطرساً يرتقي السلالم، والخير مكسوفاً يهبط إلى الأقبية، حين الشرّ قميئاً يقيم طويلاً، والخير فتياً يطلب الرحيل، حينها يا الله أنت لن تكون موجوداً على هذه الأرض أبداً لن تكون لا حجّة للعبوديّة من أجل الطغيان، لا قدراً للفقر من أجل اللصوص، ولا كتاباً للجهل من أجل المكيدة، أبداً لن تكون إلا نوراً للروح والجسد، نوراً يحسّ ويعرف، مثلما حين أنظر ولا تنكسر عيناي، مثلما حين أشمّ ولا يضيق صدري، مثلما حين أسمع ولا تضجّ أذناي، مثلما حين أتذوّق ولا يتقزّز لساني، مثلما حين ألمس ولا تقشعرّ مسامي، مثلما حين أحبّ فأراك في قلبي، مثلما حين أتحرّر فأراك في روحي، مثلما حين أراك ولا أضلّ.. رؤياك وجودي منذ خروجي من فناء العدم وانطلاقي في براري الشمس. 25/4/1997 مجلدة
أنوار ترتجف، خطوات روحي المشرّدة بلا حركة، الأنوار الأنوار زمهريرُ استغاثاتي، صرخاتُ ضحايا تسّاقطُ فوق مجلدة التاريخ بلا تأريخ، الزمن حين يمرّ مخلِّفاً كوارث بلا عدالة ولا عبر، معاوداً مسيرتَهُ المظلمة، بينما على صخور كلسيّة أتشبّث وظهري إلى الهاوية..- غليان جمجمتي برؤى الحرية والتقدّم لا ينقذني، وحيداً بلا بطولة ولا أمجاد وخلفي المدينة لا المدنيّة لم تزلْ تحتُ مطمئنّة لبلادتها اليوميّة كلّ يومٍ، كلَّ يومٍ المصيرُ ذاتُه بلا هوادة!
1999
نشرت معظم هذه القصائد في جرائد القدس العربي و الزمان و الاتحاد الإماراتية و الثورة السورية وألقيت في المركز الثقافي في دمشق و مهرجان المربد قبل الاحتلال الأمريكي للعراق بأسابيع |