• شوكة الزمان

 

قصائد مختارة

 شعر نديم الوزه


ساعات رمليّة

تَكلَّمْ، وَهذا اللَّيل..
اللَّيلُ فَرَاغ

اللَّيلُ يُحرِّر
قُلْ لهذا اللَّيلِ كلاماً
تَكلَّمْ
..
تُحِسُّ أعضاءَكَ يُرْجفُها الصَّمْت

وتخافُ لا نهايةَ إحساسِك
بالصَّرْخَةِ التي تَنْسحِق
لَحْظةَ لا يفيدُ كلامٌ
يَتبدَّد
ساعاتٍ رمليَّة
تُصحِّرُ وجْهَ الراكض ِ
حلماً
يتشظَّى
دموعاً مُرَّة
تُبلِّلُ عزلةَ روحي
وأنا أَنْظر
:
لا أحدٌ يَعْني أحدًا
..
وحدي مُبْتلياً بسنينٍٍ باليةٍ
وغبارِ بَطالَة
أَشْرُدُ بيْنَ مَقابِرِ أَحْلامي الَمنْهوبَة
أَنْكشُ كِسْراتٍ من رغباتِ فُتوَّة
ضاعَتْ
عبْرَ شوارعَ تتلوَّى يَأْساً
أَمْ تلعَبُ أُحْجِيَةَ مَتاهٍٍٍٍٍِِِِ ؟
وأُحاوِلُ جَهْلاً
..
لكنْ
مُرْتَطِماً بِسَماءٍ مُهْمَلةٍ
ونداءِ غِوايَة
أَنْظرُ أَعْلى
:
هذا فجْرٌ
أَمْ نَزْفُ غُيومٍٍ مَقْهورَة؟
والآنَ ،تَكلَّمْ..

ظلال العدم

لا شيْءَ،هُموم..
تَشرُّدي معَ القَمَر،
تَساقُطي أَخْضرَ معَ الشَّجر
..
تبعثري مع النُّجوم،
تَرمُّدي معَ الشَّرَر
تفتُّتي معَ الغُيوم،
توحُّلي معَ المَطر
..
لا،
ليسَ الحُلم
...
مُجرَّدُ انْدفاعٍ مُظْلمٍ نحْوَ لامَرْئيٍّ
خارِجَ الحُلم،
مَجْدُ أَرْواحِ صِبْيةٍ تُصَفِّقُ
مِنْ أَجْلِ وَهْم
..
أنا
مَنْ بَدَّدَ خُطاه
..
كي أُضيءَ تلكَ الألْوانَ المَنْسيَّة
مثْلَ ذِكْرياتٍ مُفْرِحَة
..
كي أعيشَ فقيراً.. فقيراً
فقيراً ، يا حُمْرةَ الغَد
..
يا زرْقَةَ السَّماءِ في المِيَاه،
يا تلكَ الجدائلُ الخضراءُ المُنْسَرِحة
مثْلَ نزهاتٍ صيفيَّّة
..
لا،
أيَّتُها الغَاباتُ والأَنْهار
أَعْمى،أيَّتُها البحَار
أيَّتُها الشَّمْسُ الذهبيَّة
لن تُشْفي قَلْبي المُتَألِّم
على دماءِ لم تصِلْ فَجْراً،
لم تَصِرْ زَهْراً،
بعْدَ معارِكَ لم تُفْضِ إلَّا لرؤى مِنَ البَوار،
والأَصْواتِ النَّائِحَة
..
لا،
مُجرَّدُ أَلَم
يُرنِّحُني بيْنَ ظِلالِ العَدَم
..
لا،
 لا بيْتَ لي،
لا شارعَ ،
لا حديقَة
...
تغرَّبْتُ في مكاني
ولم ألقَ لِمَكاني غيْرَ خُطواتٍ غَرِبيَة
تهرَّبْتُ مِنْ زَماني
ولم ألْقَ لزماني غيْرَ نُبَوءاتٍ رَهيبَة
إِِله؟
!
لم يَرني اللَّهُ حتَّى أَرَاه
..
لا،
لم أُؤْمنْ بالنَّهي،
لن ألْتَهي،
لا أرغبُ بالعَمل
بلا أمَل
..
على مَنْ أُسَلِّم؟
مَنْ أُكَلَِّم؟
وكُلُّ سَلامٍ ،
 وكُلُّ كلامِ
 يبدأُ كي يَنْتهي،
كي يبدأَ كي يَنْتهي،
ليُصَحِّرَ روحي
...
لا،

صَرْخة
 كلُّ ما أشتهي
تُدوِّي المتَاه،
تَتقيَّأُ كُلَّ جروحي
وسْطَ الغُبار!
 
مقهى

بِرُوحٍ مَضْغوطَة
تجْهَلُ كيفَ تُهادِن ،
أيْنَ تُواطِن؟
هل تَقْحمُ مقهى؟
وتجيءُ بِطَقْسٍ بَارِد،
كي تجلسَ قرْبَ العَجَزَة،
كي تُصِغي لضَجيجٍ مُخْتنقٍ،
كي تَهْداً
كيلا تَعْباً
بنَجاحٍ أو فَشَلٍ
..!
رَمْيةُ نَرْدٍ
الأغْلَبُ لا مَرْجوَّة،
لا تحتاجُ فَهْمَ وُجُودٍ
..
ماذا يَعْني أن تتمَرََّد؟
والعيشُ مقدَّر،
محكومٌ بنظامٍ معروفٌ
ومُقدَّر
..
هل تَصْرخ؟
والصَّرْخة
في دَرْبكَةٍ مُفْتعَلة،
أولا مُفْتعَلة،
لابُدَّ ستُقْتَل
..
وبرَأْفَة

سوف تُصاغُ دماؤُكَ
وَرْدَة،
وستُهْدى
في عيدِ القاتل
..
هل تَعْرفُ مَنْ يَخْجل؟
هل تَعرفُ مَنْ لا يَعْرفُ
أنَّهُ يُغْبَن؟
والكُلُّ سَيلْعَب ،
والشَّاطِر

في الأوَّلِ يَضْحك
في الآخِر
..
لا في  اللُّعْبةِ أَنْت ،
لا خارجَها
..
لا حِيلةَ ترضى،
لا ظِلّ
ربَّما وحدَها سيجارة
سوفَ تُسابقُ ، دائخاً، دخانَها
حتًى تَنْطفئ!
 
خرائب

صباحٌ بلا رايَة.
صباحٌ بلا وظيفَة
.
هكذا
...
أفتحُ نافذةَ هذا الصباح
كغيرِهِ
..
أهندسُ قدْرَ ما أستطيعُ خرائبي
أنظرُ .. متعباً أنظرُ..،
و لا أحوزُ هندسةً ملائِمَة
..
هكذا
..
أجلسُ مع قهوتيَ السَّاخنة،
أدخِّنُ كوابيسَ ليلتيَ الكريهَة
..
هكذا
..
هكذا
..
آه،من بطالةِ الشاعرِ المرهِقَة،
مِن جهدِهِ غيْرِ المرئيِّ أبداً،
غيْرْ المُقدَّرِ أبداً
..
آه، من حركاتِهِ
حينَ أطيحُ بالمشهدِ وشُخوصِهِ
..
أصْرَخ،
ولا تهتزُّ جهاتُه
..
أحتجّ
ولا تتراجعُ طرائقُه
..
أتّهم،
و لا تنهارُ صروحُه
..
أقلِّبُ أيَّامُه،
كخريفٍ لا يَرْحم
يُساقِطُ شبابيَ كلَّه
!..
آه،غيْر مُدركٍ
    دفنْتُ فتوَّتي في حفْرَةِ وهْمِه،
بكيْتُها حتَّى اخضرَّ سمُّه،
شربْتُ مِن غدرِه،
غسلْتُ وقْتي بدناءَتِه
..
وهاهُوَ دَمْعي يجفّ،
وهاهُوَ دمي يَحتقِن،
والبحرُ ليسَ هُنا،
أبداً لم يكن البحرُ هُنا ،
رغمَ إبحارِ طُفولتي بكذْبَتي المُشرِقة،
أبداً لم أعِشْ مُراهقتي حُرَّة
..
تبعْتُ الشَّمسَ- دماءَ عشَّاقٍ خاسرين،
خدعتْني أقمارُها البلهاءُ – تُمارِسُ مِن غيْرِ حُبّ،
جرَّبْتُ نجومَها – آثارَ سياطٍ على جَسدِ اللَّيلِ العَبْد،
وكلُّ هذا خلَّفْتُه،

وهيهاتِ أن يلحقَ بي
..
قلمي لم يَحرثْ جيّداً،
كما ينبغي
..
غيومُ حبري لم ترعدْ وتبرقْ،
كما أشْتَهي
..
أمطارُ رؤايَ لم تهطلْ،
كما أرْغَب
..
لم تزلْ بياضاً مُبهماً من أحبُّها،
والكلماتُ المَحمومةُ لم تزلْ مَحْمومةً
رغمَ شَيْخوختي
..
حقاً،
أيُّ إثْمٍ كانَ ينبغي كيلا يقتحِمَ مشْهَدَ تخُّيلي ؟
مزهواً بمصوِّريهِ، وممثِّليهِ ، وكتَّابِ سيرتي
.
مقرقعاً بأصواتهِ
.
مهرّجاً بألوانهِ
.
مخادعاً إشاراتِ قصيدتي كلِّها
..
آه، لم ُيخفِ رأسَه،
و أهداني أصدافَهُ الفارغَة
خشْ شْ شْ
ويبدأُ إرسالَهُ
..
أمجِّدُ النِّساءَ لآلئَ حقيقيَّةً
.
أمجِّدُ أجسادَهُنَّ الضاحِكَة
.
والشَّاشاتُ غيْرَ صادقةٍ فيما أقُول،
والشَّاشاتُ تُريني حياةً لا أعيشُها
حتَّى في تخيُّلي،
والشَّاشاتُ لا تَفهمُني أبداً
.
وحدَها الرُّوح
تَعرفُ أنْ تُضيءَ مجالَها
:
أفقٌ منكسِرٌ على جسَدٍ من رَماد
ينثرُ أزهارَ اللهاثِ من شفاهٍ مُسالمة
..
لا أحبُّ إلا مَنْ يُحبُّّني،
وأحبُّ كلَّ مَنْ يحبُّني،
ولا أكرهُ مُطْلَقا
..ً
ليُقبِلْ  بغوايةِ حُبِّي،
ليُحرِّك المياهَ الراكِدَة،
ليَدْعُ الأشجارَ كي تَصْفو،
ليعرِّفِ الأشجارَ خديعةَ حدائقِه،
وَلْيَفتحْ عينيها على أدغالِِ جسْمِها،
وبعيداً.. بعيداً.. خارجَ الوَصْف
ربَّما يتخيَّلُ ما ينبغي أن يتخيَّلَه
...
آه ، لو أغيِّرُ كلَّ شَبَه،
لو أُقْنِعُ النَّحْلَ بهَجْرِ الَملكةِ الآنَ،
وباختلافِ التَّناسُل،
و
..
لولا هذا الدبُّ الصَّقيعيّ ،
وعلى الرغم من وجودِهِ القويّ،
 لِيَأخذْ قطيعَهُ عنيّ
لِيَرحلْ بضجيجِهِ
وبأجراسٍِ نظامهِِ المعاكِسِ لكلِّ ما هُوَ مُقبل،
لِيَأخذِ المشهدَ كلَّه،
ولْيَتركْني عَنْه
!...
ربَّما أتحرَّكُ مُفسحاً مدايَ الأوليّ
...
ربَّما أَعتبرُ ظواهرَ جوهرٍٍ لا ينتهي
...
ربَّما أفترضُ ما سوفَ يأتي-يخْفِقُ بجناحَيْهِ مارداً
-
يستردُّ من تهاويلهِ ما أسرَتْهُ شباكُه
من براري حرِّيتي
...
كيفَ يصنعُ مركبَ نجاةٍ من حطامِ تجاربي؟
كيفَ يَنْخدعُ مُقتفياً أثري بصورتهِ المجمَّلة ؟

وأشهدُ خساراتِه
و أسفاهْ.. الطوفانُ أتى – شرّاً لشرٍّ
-
ولم ينجُ
..
و أسفاهْ.. أنقاضُ تجديفهِ وقوَّتهِ العصبيَّة
هاهِيَ،
ولا أُكنِّي أبداً
..
كأنّما عوَّضَهُ عن اكْتساحِه
أن يمحوَ أخيلتي بوَهْم
:
رأسي على طبقٍ،
وهُوَ يدقُّ طبْلَ حضورِهِ الأجْوَف،
وعشتارُ ترقصُ عاريةً، كما هِيَ ، دائماً
..
يا لرقصتِها العاريةِ لولا هذا الدَّم
!.
بقَهقهةٍ خافتة..،
غيْرَ مُعتدٍّ بنجاتي المُؤقَّتة
..
كنتُ وسْطَ المشهدِ ذاتِه
..
تفاصيلُهُ هشاشةُ تفاصيلي المُنقرِضَة
..
لولا انتظارُهُ لأطباقِ الآخرينَ الكاذبة
ما يبديهِ لنفسهِ هُوَ ما أُبْديهِ لنفسي..،
أجَلْ،
خساراتُهُ.. خساراتُهُ .. هيَ، أيضاً ،خساراتي

وكانَ ينبغي ألَّا تنمو
وأشجاراً تُموِّهُ الأعداء
..
يا للمصادفَةِ البائسَةِ – جوارِنا المُخادع،
يا للسيرورةِ الظالمةِ – وثاقِنا العَبثيّ،
يا لحضوره ورعاياه الفظين – ضرورة قاسية
:
كلَّ شيءٍ،
ولا يمسُّوا حريَّتي حتَّى لاحتراسٍ مُخادع
.
كلَّ شيءٍ،
ولا تكرِّرُ دهشتي انحدارَهُ إلى شوارعِ تلصُّصهِ – مكائدَ
 كانَ الحبُّ طُعْمَها المُفضَّل
..
كلُّ شيءٍ،
ولا أنذهلُ مجدَّداً بشجاعةِ تهوُّري أم بغيبوبةِ طِيبَتي
حينَ لامستُ كلَّ فظيعةٍ أرادَها لبساطَتِي..؟
حينَ حاورتُ كلَّ كذبةٍ حبكَها لحقيقَتِي..؟
حينَ دنوتُ مِن كلِّ شهوةٍ ملغومةٍ لقلَّةِ خبرَتِي..؟
ونجوتُ
..
نجوتُ مَع مَن نجَوا
...!
دائماً أمجِّدُ الفعلَ المُمجَّد
.
أعطي للكلامِ حقَّ الكلام
.
أعرفُ اللغةَ روحَ الجَسد
.
وأرجئُ الإيضاح
..
وأرجئُ وقتَ نزفتُ وقتي مُتفجِّعاً
:
أيُّنا الضائعُ- أنا أم الوطن؟
وأقولُ: وقتُهُ غامضٌ ، وبصيرٌ برؤيتي مَنْهوبةً
..
ولا أقولُ غيْرَ هذا
وهذا ليسَ عنْهُ
إنَّهُ تَأْويلُ ما يُحاكُ ضِدِّي
..
ولا أدري كيف؟
..
ولا لماذا؟
..
هلْ أفضحُ روائحَ صَبْوتي..؟
عبَقَ طفولتي المُتخيَّل..؟
سكرةَ امرأةِ الحلمِ فيما أنتشي..؟
آه ، كم خفقتُ شهوتي فيما أضمُّ الفراغَ،
مُبْعداً جسدي
..
آه، كم خفقتُ شموسَِ بيضٍٍ فاسدٍ – لم ينكسرْ كدوائرِه
فلا يخَفْ
..!
أشجارٌ .. أشجارٌ حقيقيةٌ احترقتْ كلُّها واقفَة،

شممتُ دخانَ حرقتي – حرماني المدبَّر..،
تعرَّفتُ كيفَ أنتصبُ مع نزاهتي ، وأيَّ دمٍ أقذِف ..،
 ولا بَأْس،
كلُّ هذا لا يُضعِفُ القلبَ يا امرأةً تتشبَّهُ بعصفورٍٍ
 يمدُّ رأسَهُ خارجَ القفص،
ويصفِرُ
..
وهذا غيرُ حقيقيٍّ أيضاً
!.
وحدي لا أحاكي أحداً
...
غيرَ هذا الشاعرِ الذي ينقُّ مؤرِّقاً حقيقةَ كوني نافراً،
وأحتاجُ إلى مَنْ يُهدْهدُ جُموحي
..
كنَّ جامحاتٍ، رغمَ ذكورةِ المالِ واغتصابهِ الراقي،
وكانَ الشاعرُ يُغويهنَّ بالحنينِ إلى براري صيفهِ
..
وكنتُ وحدي، أوسِّعُ مدى خُطوتي.. عبثاً
..
أتحاشى ضربةَ النقيضِ.. أقنعُهُ بجدوى خُطوتي
..
أقولُ لَهُ ، وأقولُ ... حتَّى أغلقَ البابَ
بسلاسلِ أفراحهِ
..
بأوجاعيَ أتعرَّى من أسمالِ سلاسلي،
أقرِّبُ نفسي، وأحضنُ نفسي،
وأقولُ لها: اهدئي، يا نفسُ ، اهْدئي
..
وكانتِ النَّفسُ تهدأُ،
تهدأُ كانتِ النَّفسُ مثلَ طفلٍ غافٍ بينَ أحضانِ دموعهِ
..
هذهِ النَّفسُ وحدَها
وحدَها هذهِ النَّفسُ عزفتْ أنشودةَ الرَّايات،
عزفتْ أناشيدَ قماشٍ يعلو
!
وليسَ الفعلُ جديراً بالقولِ دائماً
وليسَ الجسدُ يهتدي بالرُّوح دائماً

وأُخلي قَوْلي للشهداءِ حريَّاتُهم
ولم يكنْ وَصْفي يَكْفي
..
وكانَ عليهِ أنْ يأخذَ بهذا إلى منتهى براءَتِه..،
ومثلُ هذا كانَ جَسدي
كانَ يأنفُ الانجرارَ خارجَ حرِّياتهِ
..
أذكرُ صيْفَ اشْتهى الأرضَ تُطلِقُ أنوثتَها المُشاعَةَ
لركضِهِ ، ملاعبَ العشْبِ، وما تغنِّيهِ الحناجرُ – قرويَّةٌ هذهِ الأكاذيبُ
 وفقيرةٌ
..
أذكرُ شتاءَ اتَّبعتُهُ إلى أقصى حرمانِهِ، كيفَ سخَّرني ساخراً ،
 وضارباً كرامتي بشهوتِه.. وجلدتُهُ
 بيديَّ هاتينِ جلدتُهُ
..
 وأفهمتهُ حرَّ المكانِ وبردِه
..
وهذا ما شاركني فعلَهُ ومرآتُهُ،
ومثّلتُه
..
وهذا ما استحوذَ من تصدّعاتهِ آهاتِ نفسي
..
وبهذا أردتُ أن أمتطي جسدي
..
وهذا أجْدى لهُ
و هو يدري لماذا
..!
أجَلْ ،
لا ذنبَ لدى الشاعرِ العارفِ لا يمكنُ اغتفارُهُ
..
غيْرَ أنَّهُ قصَدني، وإنْ من غيْرِ قصْدٍ
..
أوصَلَني حدودَ ذاتيَ القصيّةِ حيثُ لا يُمكنُ التلاقي

كلانا مشيحٌ بوجههِ
:
هوَ اتَّبعَ رعاياهُ كي يُمجِّدوه،

وأنَا بقيتُ فرداً
خافقاً بحريَّتي
..
هكذا
..
مثلَ آثمٍ مشرَّدٍ يشتهي راحةَ البال
نمْتُ وجسدي
..
هكذا
رأيْتُهُ يتحسَّسُ دفءَ التُّرابِ
ذاتَ شمسٍٍ ربيعيَّة
..
هكذا
..
أفقتُ مُزهراً بجسدي
..
هكذا
..
أفتحُ نافذةَ هذا الصبّاح
كغيرِهِ...
                                                
 
حظائر

أجَلْ
أفكِّرُ بلا جَدْوى
..
والوقتُ بما لديهِ من أفراحٍ
وأحزانٍ،
يمرُّ بعيداً
..
ُيخلُّفُني شارداً،
أجرداً ،
ولو بمقدارِ هذا الوَقْت
..
أتفرَّجُ بينَ هذهِ الجدران

أتفرَّجُ وحَسْب
..
منْذُ متى

كلَّما صدحتْ أغنيةٌ من الأعماقِ فجأةً،
لا تلبثُ يتيمةً،
مفجوعةً،
تختنقُ في فمي الأعزل؟
أبداً
لن أخرجَ أَبْعدَ
..
أبداً
لن أبحثَ عن آفاقٍ أتخيَّلُكِ
تنظرينَ إليها
وحيدةً
بانتظارِ همسةٍ،
أو لمسةِ يَد
..
أبداً
لم أطلُبْ مِن هذا القَفْر
أن يبقى محايداً،
شاهداً على حبِّك
غيْرَ موجودة
!..
آه، كمْ أُطاردُ نفسي،
وأحاربُ نفسي،
ولا أنقذُ نفسي
..
آه ، كم أتقيَّحُ أمراضَ حروبٍ مُزْمِنَة،
دروشةً تتأوَّهُ أنفاساً كريهةً أمامَ أبوابٍ مُغلَقَة،
نداءاتٍ تكتمُ صدري ،
ولا نجدةَ لي
..
يا لشماتةِ فقراء
كانوا يتوِّجونَني فقيرَهُم،
ومطرودينَ طريدَهُم،
ومهزومينَ مهزومَهُم،
و لا أدري لماذا؟
..
لا،
لا الخياناتُ ، لا الادِّعاءاتُ ،لا التَّطرُّفاتُ،
كلُّها تملكُ حساباتِها الرَّابحَة
!
إلَّا أنا أدوسُ أوراقَ خسائري،
مُرتجِفاً ، مَقهوراً أمامَ السَّارقِ،
والمارقِ، والفاسقِ... إلى آخره
!
منذ متى أؤجِّلُ هذا؟
منذ متى أصرخُ : وجدْتُها.. وجدْتُها
..
والقنابلُ العنقوديَّةُ تُدوِّي فوقَ رأسي

حارقةً بساتينَ التُّفاحِ كلِّها؟
..
يا للفواكهِ الأنثويَّةِ
حينَ أستحضرُ الأرواحَ ، كي تتراءى لي بُخاراً
يصَّاعدُ من أجسادٍ تتراخى
..
حقاً، سادةَ العالمِ، أيُّ عالمٍ هذا؟
حتَّى أتحمَّلَ نقَّ الألمِ ، والصَّبْرَ على مشاركةِ الموتى ضحكَهُم لأنَّهم موتى
..
بلْ أيَّةُ وحْشَةٍ هذه؟
حتَّى أُغمضَ عينيَّ هكذا،وأتخيَّلَ حظائرَ
 عدميينَ ، ظرفاءَ ، يقتاتونَ مُتْعةَ غزلانٍ
 
بآلامِ الذَّبْح
:
يا للبشاعَة
!
أو بلغةِ الجماليَّاتِ المتحضِّرَة
يا للخيالِ غيْرِ المتحضِّر
!
أما كانَ عليَّ أنْ أملِكَ أسلحةً تُوصِلُ الموتَ
من مسافةٍ أبْعدَ؟
كفى،
قلْتُ أفكِّر بلا جَدْوَى،
كي أشغُلَ الفراغَ بما يجْدرُ بالفراغِ
أن يشغلَه
..
وهذا ليسَ لأنَّني بينَ هذهِ الجدرانِ فارغٌ،
مثلُها فارغٌ،
وكما قلتُ : لا وقتَ لديَ
..
ذلك أنَّ فظائعَ تحدُثُ ،
ولا دخلَ لي
..
غيْرَ أنَّني شاعرٌ بكلِّ هذا الكذب،
وينبغي أنْ أقول.

نشرت هذه القصائد في كتاب صادر عن وزارة الثقافة بعنوان (قصائد)و بإشراف أنطون مقدسي

• صدر عن دار نقوش عربية في تونس (آب2010)كتاب شعري جديد للشاعر السوري نديم الوزه،بعنوان (المدينة غريبة كأمي)



• صدور كتاب الوعي و بناؤه في مسرح سعد الله ونوس لمؤلفه نديم الوزه



• هادي دانيال و فلسطين المبدعة



• أسئلة الفكر التونسي..هادي دانيال



• المكان وغوايته في الرياح بين جناحي لهادي دانيال



• قراءة الناقد التونسي نور الدين الخبثاني في الأعمال الشعرية لهادي دانيال