يشتغل بهدوء ووعي واضحين على قصيدته منذ أربعة عقود تقريبا ، وتبدو تعرجات الجغرافيا واضحة في ثنايا شًعره ، وهو الذي نصب خيمته في عدد من العواصم العربية ، استطاع خلال اقامته فيها أن يكون جزءا من نسيجها الثقافي والاجتماعي.
الشاعر السوري هادي دانيال المقيم في تونس يتحدث في هذا الحوار لـ"الدستور الثقافي" عن بعض المسكوت عنه في الحياة الثقافية العربية وتشابكاتها السياسية والاجتماعية ، مؤكدا انحيازه الى هوية الامة وثقافتها ، مقدما رؤيته لقصيدة النثر منذ ولادتها في اوروبا الى محاولة تكريسها في الثقافة العربية.
تعدَّدَتْ علاقَتكَ بالمدن العربية ، من بيروت إلى بغداد إلى تونس وغيرها ، ما الذي تركتْه سنواتُ الاغتراب الطويلة من ظلالْ على قصيدتكَ ، وكيف تعايشْتَ كشاعر مع هذه المُدن؟.
- موضوعيًّا المدينة مصدر غربة ، خاصة بالنسبة لفتى منبته الأصليّ ريفيّ جَبَليّ ، لكنّها المكان الملائم لي شخصيًّا بما تؤمّنه من حرّية فرديّة وحياديّة ومقاهْ أقضي فيها معظم وقتي قارئًا وكاتبًا. ويمكنك بًيُسْرْ أنْ ترصدَ ملامحَ سيرتي الذاتية في شعري ، ذلك أن المكان غالبًا ما يفرضُ جماليّته على نصًّي الشًّعريّ. ورغم أنَّ دمشق هي أوَّل مدينة شهدَتْ ولادة هذا النصّ في كتابته الأولى بين جدران غرفتي الخاصّة من بيت العائلة ، أو في ظلالً أشجار حدائقها العامة التي اندثَرَ جُلُّها لاحقًا تحت عمارات الفنادق والمؤسسات الفارهة ، إلا أن بيروتَ هي المدينة الأكثر تأثيرًا على هذا النصًّ بشاطئ بحرها ومقاهيها وغرفها الكثيرة التي تَنَقلْتُ للسكنى فيها وأَشْرَقَ حبْرًي بين جدرانها.
وربما تجدر هنا الإشارة إلى مُدُنْ أُخرى أوْحت لي بنصوص تناثَرَتْ في مدوّنتي الشعريّة مثل: الجزائر ، الرباط ، نيقوسيا ، وبلغراد التي التقَطْتُ فيها جماليّات المكان بعينيّ سائح ، بحيث تنبّأت بالمصاير التي كانت تنتظر بعض هذه المدن بعد أكثر من عقد كما يمكننا أن نلاحظ في القصائد التي كتبتها في صنعاء ، الجزائر ، وبلغراد.
إلاّ أن تونس بحكم طول مدة إقامتي المستمرة فيها منذ سبعة وعشرين عامًا ، ولكونها بمواصفات مجتمعها وبنيتها المدينيتين ، أمَّنَتْ لي طريقة عيش ومناخات قراءة وكتابة ونشر تُناسبُ نزوعي إلى العزلة ، وتلبّي تَوْقيَ الدّائم إلى الحرّية والانفلات من كل قيْدْ قَد يعترضني.
في ظل الجدل الدائر حول قصيدة النثر ودورها في المشهد الثقافي العربي ومستقبلها ، هل تعتقد أن هذه القصيدة مؤهلة للبقاء وكيف ترى حظوظها؟.
- من المفيد أن نتذكّر هنا أن قصيدة النثر العربية ، إن صحّ هذا - المصطلح - بدأت تبرز مع مجلّتي (شعر) و (مواقف) اللبنانيتين ، ساعيةً إلى محاكاة قصيدة النّثر في كَيفيّة نشأتها وتسويقها ومواصفاتها الجماليّة ، فكلتاهما نشأتا بتأثير "الترجمات والترجمات الحرّة لقصائد البالاد والأغاني الألمانية" حسب عبارة سوزان برنار التي كان كًتابها المرجع الأبرز لمن أرادوا ترويج قصيدة النثر العربية كتابة وتنظيرا.
والحقيقة أنّ الشاعر أدونيس ، أبرز المنظرين في هذا السياق ، لم يضف نوعيا إلى ما جاء به كتاب برنار ، بل نقل عنه المواصفات المفترضة لقصيدة النثر العربية ، وحتى دعوته في نهاية كتابه الشهير (الثابت والمتحول) أو في كتابه (زمن الشعر) إلى كتابة النصّ المفتوح ، كانت واحدة من احتمالات برنار لمستقبل هذه القصيدة. إلا أن أدونيس لم يلتزم بما دعا هو إليه بل راوح إلى الآن بين كتابة نصّ موزون وآخر غير موزون وغير مُقفّى ، وهذا احتمال آخر أشارت إليه برنار بخصوص مآل الكتابة الشعرية الفرنسية هناك إلى آخر طريق مسدود نسبيًّا.
وإذا كانت الدادائية بوصفها سرطان اللغة والفن قد دفعت قصيدة النثر الفرنسية إلى حتفها ، ممّا جعل برنار تقول: "إذا لم يكن شيء أصعب من أن يكون المرء "شاعر نثر" أصيلا ، فربما ليس هناك ما هو أسهل من أن يَدَّعي المرء كونه شاعرا". فإن هذا القول ينطبق الآن بدقة مدهشة على راهن قصيدة النثر العربية.
والحقيقة هنا أن قصيدة النثر لم تصل لا باللغة الفرنسية ولا بلغتنا إلى أن تكون "كتلة مُشًعّة وتبلورا جوهريا لا زمنيا" حسب تعبير برنار ، أي لا تخضع للتحوّلات والصيرورة ، وذلك بحكم الفوضوية الكامنة في أصلها. إلا أننا لن نكون عدميين وننفي عنها أيّ أثر إيجابي على الكتابة الشعرية العربية ، مثلما كان لها أثرها الايجابي على الكتابة الشعرية الفرنسية.
كما أن حركة قصيدة النثر التمرّدية أخرجت مفهوم الشعرية من تحديده الإيقاعي ، لتصبح الوحدة والكثافة والمجانية من مواصفات الشعريّة في أيّ شكل إيقاعي تجلت ، فبات الشاعر مطالبا بممارسة حريته الإيقاعية والتخييلية ومغامرته اللغوية ، ما دام ذلك سيفضي إلى القصيدة كبناء جمالي شعري. فالوزن والقافية أو الاستغناء عنهما لم تعد شروطا تقيد حرية الشاعر في التعبير عن رؤيته ورؤاه وإحساسه الجمالي في الشكل الإيقاعي المتماسك الذي يبدعه.
وهكذا فإنني أرى أن قصيدة النثر كما تمّت الدعوة إليها قد وصلت إلى أفق مسدود ، لكنها حطّمتْ في مسارها قيودا كثيرة تسهل على الشاعر الأصيل أن يُسْهم في تطوير القصيدة العربية ويتقدم إلى المجهول بثقة أكبر في أنّه لن يعود من كلًّ مغامرة جماليّة يُقْدمُ عليها خالي الوفاض.
إلى جانب مشروعك الشعري لك إسهامات أدبية أخرى ، ولك رؤيتك الخاصّة في قراءة المشهد الشعري العربي الراهن ، هل تعتقد أن الزمن يعمل لصالح الشعر ، أم أن هناك تراجعا لصالح صنوف أخرى من الأدب؟.
- إسهاماتي التي أشرْتَ إليها ترفدُ مشروعي الشعري ، بمعنى أنها لا تطمح إلى أن تكون بديلا عنه ولا هي توازيه. إنها بإيجاز ملاحظات تنشأ على هامش قراءاتي المتنوعة في مختلف الأجناس الأدبية والفكرية والفنية ، لذا آثرت تصنيفها اصطلاحيا بعدًّها ضربا من (النقد الثقافي) ، وقد لا يكون المصطلح دقيقا لكنني اعتمدته كي لا يذهب الظن بأي كان بأنني ناقد أدبي. فأنا لا أعتمد منهجا نقديا بعينه رغم معرفتي بمُجْملً المناهج النقديّة ، لكن ملاحظاتي تصدر عن ذائقتي وخبرتي كشاعر وقارئ.
أمّا أنّي صاحب مشروع شعري فهذا ما أطمح إليه حقًّا ، وطبعا لست بصدد التنظير لهذا المشروع المزعوم ، لكنني أترك تبيَّنَ ملامحًه ومدى تبلوره وتحققه للقراء والنقاد ، ويشجًّعُني أنه بدأ يغري أوساطا أوسع من القراء والنقاد ، وفي هذا جانب من الإجابة على سؤالك إن كان الزمن يعمل لصالح الشَّعر. ولكن ثمّة علامات أبرز على ذلك ، منها هذا الاهتمام العربي والعالمي الذي شمل مختلف المستويات الاجتماعية وجميع طبقات القراء والمُتلقين بغياب الشاعر الكبير محمود درويش ، ممّا يعني أن هذا الشاعر كان حاضرا بشعره أوَّلا وبرمزيًّته الثقافية الوطنية ثانيا في الوجدان الجمعي العربي والعالمي ، فكان غيابه أكثر تأثيرا من غياب حاملي جائزة نوبل من الروائيين مثل نجيب محفوظ وغيره.
العلامة التالية وليست الأخيرة ، أنّ الشعرية باتت قيمة جمالية ثابتة في تلقًّي وتقييم الأعمال الأدبية والفنية كالرواية والسينما ، وهذا يعني أنه بقدر ما يتًّسع التصحُّرُ الوجداني مُكتسحا الوضع البشري بقدر ما تبرز الحاجة أكثر للشعر ، ولكن تبقى على الشعراء مسؤولية تلبية هذه الحاجة إلى الشعر الذي يلامس الوجدان الكوني بقدر ما يلامس الوجدان الوطني أو الوجدان القومي.
المتتبع لمشروعك الشعري بشكل خاص ، والأدبي بشكل عام ، يرى فيه انحيازا لهوية الأمة وثقافتها ، هل أنت قلق على هذه الهوية والثقافة من المشاريع المضادة ، لا سيما وأنت تعيش في بلد يتمُّ تصنيف بعض مُثقَّفيه على خانة الفرانكوفونية؟.
- نعم أنا منحاز إلى هوية الأمة العربية ـ والتحديد ضروري هنا ـ وثقافتها ، ولكن ليس بالمعنى الستاتيكي ولا العنصري ، ولا بالمعنى السلفي الرجعي ، بل بالمعنى الحضاري المنفتح ديالكتيكيا مع معطيات الحاضر والمُراهًن على ضرورة الحضور الوجودي في المستقبل. ولكنني قلق حقا على الهوية والثقافة العربيتين.
والكلام على هوية الأمة العربية وثقافتها يحيلنا وجوباً على المشروع القومي وتجاربه ذات النهايات الكارثية إلى الآن. وأعيد كارثية النهايات تلك إلى أمرين مفصليًّيْن ، أوَّلهما: الانشغال بالسلطة القطرية وتأبيدها عن متابعة المشروع وإنجازه في أفق ديمقراطي تقدمي ، وثانيهما عدم إنجاز التحول الاجتماعي باجتثاث العشائرية والطائفية وعدم إيجاد حلول حقيقية شاملة لمشاكل الأقليات العرقية في أفق وطني.
ومن المظاهر المقلقة أيضا تراجع مستوى لغتنا العربية قراءة وكتابة في المنشورات والكتب المطبوعة أو في المنابر المرئية والمسموعة ، ناهيك عن الأنترنت ومشتقاته ، وكذلك على مستوى التداول اليومي ، في ظلًّ تسابق محموم لتعلُّمً اللغات الأجنبية. ومن اللاَّفت هنا صدور روايات عن دور نشرْ مختلفة تستخدم لغة لا هي عربية فصحى ولا عاميّة ، ويتمُّ ترويجها ومنح بعضها الجوائز وكأنَّه عن قصد على حساب روايات أكثر جرأة في مضمونها ولغتُها عالية ـ بل وشعريّةـ كروايات حيدر حيدر ومصطفى الكيلاني وواسيني الأعرج تمثيلا لا حصرا.
ورغم أن الخطر المُحدًّق بلغتنا العربية ، وبخاصَّة عند الأجيال الجديدة التي يفتك بها سرطان القنوات الفضائية والأنترنت ويُقْصًيها عن قراءة الكتاب ، وصل صداه مؤتمرات جامعة الدول العربية على مستوى القمة ، إلاّ أنّ مرض لغتنا يتفاقم وأخشى أن تضرب فوضى سرطانية خلاياها ، وهنا نشيرُ إلى فوضى تسربت إلى الكتاب المطبوع الذي يصدر عن دور نشر مختصَّة وغير مختصَّة مليئا بالأخطاء النحويّة والإملائيّة ـ ناهيك عن الأخطاء المطبعيَّةـ والمفارقة هنا أنّه كلّما تطوّرت أكثر تقنيات الطباعة عندنا ، انحدر كًتابنا أكثر على مستوى الأخطاء اللغويّة والمطبعيَّة.
أمّا الخطر الفرنكفوني فقد بات ثانوياً ، والعولمة هي الخطر الحقيقي المحدًّق بهوية وثقافة كلّ أمة لها عمق حضاري أو ذات طموح حضاري ، بما في ذلك هويتا فرنسا وألمانيا وثقافتاهما ، ويتمُّ الهجوم العولمي بمساع حثيثة لأمركة العالم بفرض طريقة عيش أحفاد اليانكي و"حضارتهم" عن طريق البترودولار والسي. آي. إيه أو باستخدام الطائرة الحربية والدبابة الحديثتين وريثتي مسدسات حاصدي الجوائز "الكاوبوي" ، عبر العالم،.
أقمت فترة طويلة في خيمة شعر المقاومة ، وبعد كل هذه الانهيارات التي طالت ثوابت كادت أن تكون راسخة في الأذهان ، هل ترى مبرًّرا لاستمرار شعر المقاومة العربية؟.
- لتدقيق المصطلح أنا أقمتُ في خيمة شعر الثورة الفلسطينية المسلَّحة ، بينما شعر المقاومة الفلسطينية ، أشَّرَهُ لأول مرة الشهيد المبدع غسان كنفاني في كتاب منفصل وضع به نتاج شعراء الأرض المحتلة مثل محمود درويش ، سميح القاسم ، وتوفيق زياد ورفاقهم تحت الضوء. وبهذا المعنى فإنَّ كل شعر يتصدَّى للاحتلال الأجنبي ويتحدَّاه هو شعر مقاومة.
وهكذا نبَّهتُ في حوار سابق إلى وجود شعر مقاومة عراقية يُمثله بامتياز الرباعي حميد سعيد ، سامي مهدي ، عبد الرزاق عبدالواحد وساجدة الموسوي ، يرفض الاحتلال الأمريكي لبلادهم ويتحدَّاه ، وفي هذا السياق أصدرت كتابي (حميد سعيد وعيا شعريا مقاوما). ذلك أنّ قصائد حميد سعيد التي استحضَرَ فيها بغداد قبل الاحتلال بعد أن دمَّر الاحتلالُ معالمها ومعالم العراق الحضارية ، وقصائد سامي مهدي ، ومنها بالخصوص تلك التي يحاور فيها الجندي الأمريكي الغازي ، هي قصائد مقاومة بامتياز. فشعر المقاومة ليس بالضرورة أن يكون صدى للمقاومة المسلّحة بل هو يوازيها وقد يسبقها وعياً وفعلا جماليا في الوجدان المُتلقي.
ولو أخذنا شعر محمود درويش نموذجا آخر لشعر المقاومة ، فسنلاحظ أنه بعد خروجه من فلسطين المحتلة والتحاقه بالثورة وقيادة منظمة التحرير صار شعرَ ثورة مسلحة كونه يحدو الثوار في خنادق معاركهم المختلفة ، لكنه عاد ليصبح شعر مقاومة أشمل حتى وهو يُركًّز قوله الشعري حول مواضيع كونية كالحب والموت والحياة ، لأنه بذلك وهو الذي ارتقى إلى مرتبة الرمز الثقافي الوطني ، يقاوم وجودياً العدوان الصهيوني المستمر على هوية وثقافة وكيان الشعب الفلسطيني الإنساني السياسي والحضاري.
وفي ظلًّ الهجمة الصهيو - غربية على الوطن العربي يتسع مصطلح شعر المقاومة ليشمل كل شعر أصيل يتصدى لاستهداف الذات العربية بمستوياتها كافة.
هل مازلت تعتقد أنّ الحرّية شرط أساس للكتابة ، وكيف ترى العلاقة بين حرّية الوطن وحرّية أبنائه؟.
- بالتأكيد تبقى الحرّية شرط الكتابة الإبداعية ، وهذا مُعطى تاريخي. فالكتابة التي لا يكون مصدرها وعي معرفي وجماليّ حرّ ومخيّلة جامحة وحرّة من كلًّ قيدْ ، تكون تقليدية مقلًّدة بالضرورة وبالتالي تنتفي عنها صفة الإبداع. وحرّية الجسد أيضا تطلق كتابتنا إلى أقاصي الإبداع ، مع إمكانيّة كتابة إبداعية مقاومة ومتحرّرة بين جدران زنزانة إن كان الوعي حرًّا ، وبالمقابل تكون كتابتنا مُقَلًّدة ونمطيّة إن كان وعينا تقليديًّا ومنضبطًا لقيود مختلفة ولو كنا نمرح في سهل أخضر مزهر.
أما العلاقة بين حرّية الوطن وحرّية أبنائه فهي جدلية ، بحيث لا يمكننا عدّ أبناء الوطن المحتلّ أحرارًا إلاّ بمقدار انخراطهم في مشروع المقاومة الشامل كما فَصًّلْنا آنفًا. وكُلُّ وَطَن يجد أبناؤه أنفسهم فيه مقيّدين يكون ساقطًا استراتيجيًّا وفي مرمى أيّ غاز أو طامع أجنبيّ ، ذلك أنّه ضدّ طبيعة الإنسان أن يدافع عن عبوديّته. والسلطة السياسية التي تقوم على تجريد أو حرمان المواطن من حقوقه وحرّياته الأساسية ، تجرّده في الوقت نفسه من إحساسه الوطنيّ. وكل عمل سياسي أو ثقافي نبيل يقوم وينشط على تلازم حرية الوطن وحرية المواطن ، فهما وجهان لحقيقة واحدة.